وطن-في وقت يستعد فيه الاتحاد الأوروبي لتطبيق ميثاقه الجديد للهجرة واللجوء، تشهد المناطق الشمالية في المغرب حملة أمنية واسعة تستهدف مهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، وسط اتهامات حقوقية بوقوع اعتقالات جماعية، وترحيلات قسرية، وانتهاكات خلال عمليات نقل المهاجرين بعيدًا عن طرق العبور نحو أوروبا.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن السلطات المغربية، منذ 14 أبريل، تنفذ عمليات ترحيل واعتقال واسعة النطاق بحق مهاجرين أفارقة يحاولون الوصول إلى أوروبا، مشيرة إلى أن مصادر محلية تحدثت عن توقيف أكثر من 100 شخص يوميًا في بعض الفترات.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن منظمات حقوقية مغربية، فقد جرى احتجاز نحو 800 شخص خلال مداهمات منسقة في الغابات الواقعة بين الفنيدق وبليونش، أقصى شمال المغرب، حيث يلجأ كثير من المهاجرين إلى تلك المناطق قبل محاولة العبور إلى إسبانيا، سواء عبر البحر أو من خلال السياجين الحدوديين الفاصلين بين المغرب وجيبي سبتة ومليلية الخاضعين للسيادة الإسبانية.
مداهمات في الشمال وانتقال العمليات إلى طنجة
وأضافت “ميدل إيست آي” أن الحملة لا تزال مستمرة، إذ انتقلت السلطات المغربية لاحقًا إلى تكثيف العمليات في مدينة طنجة ومحيطها، وهي إحدى أبرز نقاط العبور نحو الساحل الإسباني. ونقلت الصحيفة عن شهود قولهم إن العمليات شملت اعتقالات جماعية، وضربًا، وإهانات ذات طابع عنصري، إضافة إلى نقل قسري لمهاجرين باتجاه مناطق قريبة من الحدود الجزائرية.
ووفقًا للمعلومات التي أوردتها الصحيفة، نُقل مهاجرون من السودان وتشاد في حافلات إلى الجنوب، ثم تُرك بعضهم قرب مناطق حدودية، بينما جرى ترحيل أشخاص من دول مثل السنغال ومالي وموريتانيا وبوركينا فاسو وغينيا عبر رحلات جوية انطلقت من الدار البيضاء.
وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من التعاون المتزايد بين الرباط والاتحاد الأوروبي في مجال ضبط الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية، وهو التعاون الذي بات يشكل جزءًا أساسيًا من سياسة أوروبية تعرف بـ”تصدير إدارة الحدود” إلى دول خارج الاتحاد.
وقالت “ميدل إيست آي” إن تشديد الإجراءات في المغرب يتزامن مع اقتراب دخول ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد حيز التنفيذ في يونيو المقبل، وهو ميثاق يهدف إلى إعادة صياغة قواعد اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي، وتسريع إجراءات البت في الطلبات والترحيل، وتعزيز دور الدول غير الأوروبية في منع وصول المهاجرين إلى أراضي الاتحاد.
أوروبا وتمويل ضبط الحدود في شمال أفريقيا
وبحسب الصحيفة، خصص الاتحاد الأوروبي أكثر من 900 مليون يورو ضمن أداة “أوروبا العالمية” لتمويل برامج تتعلق بالرقابة على الهجرة، وإدارة الحدود، وتعزيز أنظمة المراقبة في دول شمال أفريقيا، رغم الانتقادات الحقوقية الموجهة إلى عدد من هذه الدول بسبب سجلها في التعامل مع المهاجرين وطالبي اللجوء.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن الصحفي فراي ليندسي، العامل ضمن مشروع “تعهيد الحدود” التابع لمنظمة “ستيت ووتش”، قوله إن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى “تقييد حركة الأشخاص في أبعد نقطة ممكنة على طول مسارات الهجرة”، مضيفًا أن المسؤولين الأوروبيين يصفون ذلك بأنه “إيقاف الهجرة في المراحل المبكرة من الطريق”.
وقال ليندسي للصحيفة إن الأمر يتعلق عمليًا بـ”ممارسة السيطرة على الحدود دون تلطيخ الأيدي”، في إشارة إلى أن أوروبا تعتمد على دول العبور للقيام بدور الحارس الأمني قبل أن يصل المهاجرون إلى حدودها الرسمية.
ويُعد المغرب بلد عبور رئيسيًا للمهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في طريقهم إلى أوروبا. ويحاول بعضهم عبور مضيق جبل طارق بحرًا، بينما يسعى آخرون إلى دخول جيبي سبتة ومليلية عبر السياجات الحدودية العالية المزودة بأسلاك شائكة.
تعاون مغربي مع فرونتكس وتراجع طفيف في محاولات العبور
وأشارت “ميدل إيست آي” إلى أن المغرب عزز خلال السنوات الماضية تعاونه مع وكالة حماية الحدود والسواحل الأوروبية “فرونتكس”، بهدف منع انطلاق قوارب الهجرة من السواحل المغربية باتجاه أوروبا.
ووفق تقرير لوزارة الداخلية المغربية، أحبطت السلطات في عام 2025 نحو 73,640 محاولة للهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وهو رقم يقل قليلًا عن عام 2024، في تراجع عزته السلطات إلى تحول بعض المهاجرين نحو طرق بديلة.
لكن الصحيفة أوضحت أن الأسابيع الأخيرة شهدت تصعيدًا ملحوظًا في الدور الأمني المغربي، خصوصًا في الشمال، حيث تنفذ قوات الأمن حملات متكررة على مخيمات عشوائية داخل الغابات، وعلى نقاط تجمع يعتمد عليها المهاجرون قبل محاولة العبور إلى إسبانيا.
وقال ناشطون حقوقيون للصحيفة إن الهجمات على مخيمات المهاجرين ليست جديدة، لكنها ازدادت حدة منذ منتصف أبريل، مع تركيز العمليات في المناطق القريبة من سبتة ومليلية وطنجة. وفي الحالات التي لا يُرحّل فيها المهاجرون خارج البلاد، غالبًا ما يجري نقلهم إلى مناطق بعيدة في الجنوب، بهدف تفكيك شبكات العبور وإبعادهم عن الحدود الشمالية.
شهادات عن “إهانات وسوء معاملة”
ونقلت “ميدل إيست آي” عن شاد بوخاري، الصحفي والعضو في مجموعة “مقاومة الحدود” وهي مبادرة شعبية تدعم المهاجرين في منطقة المتوسط، قوله إن مهاجرين تواصلوا مع المجموعة تحدثوا عن تعرضهم “لأشكال مختلفة من الإذلال والإهانات وسوء المعاملة على يد السلطات”.
وأضاف بوخاري أن بعض المهاجرين تُركوا قرب الحدود الجزائرية بلا طعام أو ماء، قبل أن تحتجزهم قوات جزائرية. وتابع، بحسب الصحيفة، أن “الجيش الجزائري يزعم أنه عذّب عددًا منهم”، مشيرًا إلى أن بعض الأشخاص عثروا أيضًا على جثث مهاجرين آخرين في الصحراء.
وفي سياق متصل، أوردت الصحيفة أن الجزائر رحّلت في عام 2025 أكثر من 30 ألف مهاجر إلى النيجر، وتركت كثيرًا من قوافل الترحيل في عمق الصحراء، وسط شهادات سابقة تحدثت عن انتهاكات وتعذيب واستغلال، بل ووقائع شبيهة بالاستعباد.
وقالت “ميدل إيست آي” إنها تواصلت مع السلطات الجزائرية والمغربية والاتحاد الأوروبي للحصول على تعليق، لكنها لم تتلق ردًا حتى وقت نشر التقرير.
طرق خطرة عبر الساحل والصحراء
ويصل كثير من مهاجري أفريقيا جنوب الصحراء إلى المغرب بعد عبور منطقة الساحل، وهي حزام جغرافي قاسٍ وجاف يمتد عبر القارة الأفريقية، ويُعد من أخطر مسارات الهجرة. وغالبًا ما يمر هؤلاء عبر النيجر إلى الجزائر، أو عبر موريتانيا قبل دخول الأراضي المغربية.
وبحسب ما أوردته “ميدل إيست آي”، فإن العديد من الدول الواقعة على هذه الطرق تعاني أزمات مزمنة، من بينها الاضطرابات الأمنية، والفقر، وضعف التنمية، وتأتي في مراتب متأخرة على مؤشر التنمية البشرية.
وعند الوصول إلى المغرب، قد يقضي المهاجرون شهورًا وربما سنوات في غابات كثيفة وجافة، يعيشون في ظروف قاسية داخل مخيمات غير رسمية. وتعرف بعض المنظمات الإنسانية مواقع تلك التجمعات وتقدم مساعدات محدودة، لكن هذه الجهود، وفق شهادات نقلتها الصحيفة، تتعرض أحيانًا للتضييق أو التعطيل.
ومنذ عام 2014، وثقت منظمة “هيومن رايتس ووتش” حوادث متكررة قالت فيها إن الشرطة المغربية اعتدت بالضرب على مهاجرين، وصادرت ممتلكاتهم القليلة، وأحرقت ملاجئهم، ورحّلتهم من البلاد دون إجراءات قانونية كافية.
“كان وصول الصليب الأحمر يعني أن الأمن سيأتي بعده”
ونقلت “ميدل إيست آي” شهادة عثمان سو، وهو رجل من غينيا قضى عامًا في المغرب قبل أن يتمكن من العبور إلى إسبانيا، ويقيم حاليًا في ألمانيا. وقال سو إن الصليب الأحمر كان يدخل أحيانًا إلى الغابة لتوزيع بطانيات وملابس على المهاجرين، لكن ذلك كان يُفهم بين المقيمين هناك باعتباره مؤشرًا سيئًا.
وأضاف: “كنا نعلم أن زيارة الصليب الأحمر غالبًا ما يعقبها ظهور قوات الأمن المغربية، كما لو أنها كانت تراقب المكان”. وتابع: “كانوا يحرقون كل ما نملك، ثم ينقلوننا إلى أماكن بعيدة ويتركوننا في مناطق معزولة من دون أي ممتلكات”.
وتوضح الصحيفة أن الهدف من هذه العمليات يتمثل في منع المهاجرين من الاقتراب من سبتة ومليلية، وهما المنطقتان الوحيدتان التابعتان للاتحاد الأوروبي ولهما حدود برية مباشرة مع أفريقيا.
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة مأساة 24 يونيو 2022، حين قُتل ما لا يقل عن 37 مهاجرًا، معظمهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء، في ظروف لا تزال محل جدل، أثناء محاولة جماعية لتسلق السياج الحدودي المؤدي إلى مليلية. كما لا يزال نحو 70 شخصًا من ذلك اليوم في عداد المفقودين، وسط تقارير تحدثت عن دفن جثث في قبور غير معلّمة.
ميثاق الهجرة الأوروبي وتوسيع مفهوم “الدولة الآمنة”
وعلى الرغم من تشديد الإجراءات الأمنية، قالت “ميدل إيست آي” إن محاولات العبور من شمال أفريقيا إلى أوروبا لم تتوقف، خصوصًا في ظل الحرب في السودان، وتدهور الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل. فبالنسبة لكثيرين، لا يزال الوصول إلى أوروبا يستحق المخاطرة رغم المخاطر المتزايدة.
وقال فراي ليندسي للصحيفة: “كلما وضعت مزيدًا من الحدود والجدران، اتجه الناس إلى طرق أكثر خطورة للالتفاف عليها”. وأضاف أن السياسات الأمنية لا تعالج أسباب الهجرة، بل تعني ببساطة “أن عددًا أكبر من الناس سيموتون”.
وتقول منظمات حقوقية إن الحملة الأخيرة في المغرب مرتبطة أيضًا بتأثيرات ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد، الذي يهدف إلى تسريع إجراءات طلبات اللجوء والترحيل، وتوسيع استخدام البيانات البيومترية، وزيادة رفض الطلبات استنادًا إلى مرور المهاجر عبر ما تصفه أوروبا بـ”دولة ثالثة آمنة”.
وبحسب الصحيفة، يشمل هذا التصنيف المغرب إلى جانب دول أخرى توجه إليها اتهامات حقوقية، مثل مصر وتركيا. وبموجب هذا النهج، إذا مر طالب اللجوء عبر واحدة من هذه الدول قبل الوصول إلى الاتحاد الأوروبي، فقد تُسرّع إجراءات ترحيله أو رفض طلبه.
وأشارت “ميدل إيست آي” إلى أن أكثر من 50 منظمة غير حكومية اعترضت رسميًا على الميثاق، معتبرة أن الإجراءات السريعة الجديدة قد تحرم طالبي اللجوء من حقهم في دراسة عادلة وشاملة لملفاتهم.
تعهيد سياسات الهجرة خارج أوروبا
وتعمل أوروبا منذ سنوات على منع المهاجرين من الوصول إلى أراضيها قبل أن يتمكنوا من تقديم طلبات اللجوء، عبر التعاون مع دول خارج الاتحاد لتشديد الرقابة على طرق الهجرة. وضمن “صندوق الطوارئ الائتماني لأفريقيا”، ضخ الاتحاد الأوروبي مئات الملايين من اليوروهات في برامج تعزيز ضبط الهجرة في ليبيا والمغرب وتونس ومصر والجزائر.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن عثمان سو قوله إن تغير المزاج السياسي في أوروبا ينعكس مباشرة على أوضاع المهاجرين في المغرب. وقال: “كلما تغير المناخ السياسي في أوروبا، تشعر بذلك في المغرب. إذا كانت أوروبا تريد مهاجرين، يكون الوضع في المغرب مقبولًا. وإذا لم تكن تريدهم، يصبح المكان عدائيًا”.
ويرى فراي ليندسي، أن ميثاق الهجرة الجديد يمثل ملفًا سياسيًا بالغ الأهمية لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وفريقها. وقال للصحيفة إن المفوضية تحتاج إلى نجاح هذا الميثاق سياسيًا، وستبذل ما تستطيع لضمان عدم انهياره.
وأضاف أن الدول الأعضاء أوضحت أنها لن تمضي مع الميثاق ما لم تبذل المفوضية الأوروبية كل ما بوسعها لمنع وصول المهاجرين، وترحيل أكبر عدد ممكن منهم.
ليبيا نموذجًا لسياسات أوروبية مثيرة للجدل
وتثير السياسات الأوروبية الجديدة انتقادات خاصة في ليبيا، حيث تقول منظمات حقوقية إن جهات مدعومة من الاتحاد الأوروبي ارتبطت بانتهاكات ممنهجة بحق المهاجرين. ووفق ما أوردته ميدل إيست آي، يموّل الاتحاد الأوروبي ويدرّب ويجهز سلطات خفر السواحل الليبية، التي وُجهت إليها اتهامات بالتعاون مع شبكات تهريب البشر لاعتراض المهاجرين وإعادتهم إلى مراكز احتجاز يتعرضون فيها للاستغلال والعنف الجسدي والجنسي، بل وحتى الاستعباد.
وتعمل أوروبا حاليًا، بحسب الصحيفة، على تمويل مركز مراقبة بحرية في بنغازي يهدف إلى اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم قسرًا إلى ليبيا. ويتطلب ذلك تعاونًا مع قوات اللواء خليفة حفتر، الذي يسيطر على شرق ليبيا في مواجهة الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة في الغرب، وسبق أن وُجهت إليه اتهامات بارتكاب جرائم حرب.
وتشير الصحيفة إلى أن أنماطًا مشابهة من الإعادة القسرية العنيفة ظهرت أيضًا على الحدود الشرقية لأوروبا. فعلى طريق البلقان، وثقت منظمات حقوقية قيام السلطات الكرواتية بدفع مهاجرين بعنف نحو البوسنة، بما يحول دون وصولهم إلى إجراءات اللجوء داخل أراضي الاتحاد الأوروبي.
“مراكز العودة” وسؤال الحقوق
ويتضمن ميثاق الهجرة الأوروبي الجديد مفهومًا مثيرًا للجدل يعرف باسم “مراكز العودة”، وهي دول يمكن نقل طالبي اللجوء المرفوضين إليها واحتجازهم فيها إلى حين ترحيلهم إلى بلدانهم الأصلية. وتقول منظمات حقوقية إن المهاجرين قد يُرسلون إلى دول لا تربطهم بها أي صلة، فيما طُرحت أسماء دول مختلفة ضمن هذا التصور، من بنغلاديش إلى رواندا.
وبحسب “ميدل إيست آي”، يرى مدافعون عن حقوق الإنسان أن الميثاق يعكس توجهًا أوسع داخل الاتحاد الأوروبي نحو تشديد المواقف والسياسات تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء، مع نتائج خطيرة على من يحاولون الوصول إلى أوروبا هربًا من الحرب أو الفقر أو الاضطرابات السياسية.
وتختصر شهادة عثمان سو جانبًا من هذا الواقع، إذ قال للصحيفة إن المغرب يتحول، بحسب اتجاه الرياح السياسية في أوروبا، من بلد عبور صعب إلى مساحة أكثر عداءً للمهاجرين. وبينما تراهن أوروبا على إغلاق الطرق قبل أن تصل إليها القوارب، يحذر حقوقيون من أن إغلاق المسارات لا يوقف الهجرة، بل يدفعها إلى طرق أطول وأكثر فتكًا.
اقرأ المزيد
انقلاب الموازين في المتوسط: لماذا أصبح المغرب “الطرف الموثوق” لواشنطن بدلاً من إسبانيا؟
فيضانات تاريخية تغرق شمال المغرب وتحوّل القصر الكبير إلى مدينة تحت الماء
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية

