وطن-في لحظة دبلوماسية حساسة بين واشنطن وطهران، اختار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استدعاء واحدة من أقوى الرموز الحربية في الذاكرة السياسية والعسكرية الإيرانية، في رسالة رآها خبراء مؤشراً على تمسك طهران بموقفها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصاً في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
وقالت شبكة «فوكس نيوز» الأميركية إن تصريحات بزشكيان جاءت بالتزامن مع تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الاتفاق مع طهران «تم التفاوض عليه إلى حد كبير»، مع تحذيره في الوقت نفسه من أن الولايات المتحدة قد تمضي نحو توقيع اتفاق «كبير وذي معنى»، أو تنسحب من المسار بالكامل إذا لم تكن الشروط مناسبة.
وبحسب ما أوردته «فوكس نيوز»، فإن إيران أبدت توافقاً واسعاً مع واشنطن بشأن بعض النقاط المطروحة، لكنها شددت في المقابل على أن الاتفاق النهائي ليس وشيكاً، وأن المفاوضات لا تزال مستمرة حول تفاصيل عالقة قد تحدد مصير التفاهم المحتمل بين الجانبين.
وفي منشور عبر منصة «إكس» بمناسبة ذكرى استعادة مدينة خرمشهر من القوات العراقية عام 1982 خلال الحرب العراقية الإيرانية، قال الرئيس الإيراني إن «خرمشهر اليوم هي إيران، والخليج الفارسي، ومضيق هرمز»، مضيفاً أن «المقاومة والتضحية وصد العدوان متجذرة في ثقافة هذه الأرض».
ورأت «فوكس نيوز» أن استخدام بزشكيان لهذا الرمز التاريخي لم يكن عابراً، إذ إن معركة خرمشهر تمثل في الوعي الرسمي الإيراني إحدى اللحظات المؤسسة للجمهورية الإسلامية، باعتبارها رمزاً للصمود الوطني والتضحية المدنية ورفض الغزو الخارجي.
ونقلت الشبكة عن الدكتور عمر محمد، مدير برنامج مبادرة أبحاث معاداة السامية والتطرف في جامعة جورج واشنطن، قوله إن الإشارة إلى الحرب العراقية الإيرانية في هذا التوقيت تحمل دلالة سياسية واضحة، مضيفاً: «التوقيت هو جوهر الرسالة».
وتوافق ذكرى 24 مايو تحرير خرمشهر عام 1982، وهي المدينة الواقعة جنوب غرب إيران التي سيطرت عليها قوات صدام حسين في بداية الحرب، قبل أن تستعيدها القوات الإيرانية بعد أشهر من معارك حضرية عنيفة تحولت لاحقاً إلى جزء أساسي من السردية الرسمية الإيرانية.
وأضاف محمد، في تصريحات لـ«فوكس نيوز ديجيتال»، أن خرمشهر تمثل بالنسبة للنظام الإيراني «إحدى اللحظات الأسطورية المؤسسة»، حيث تختلط فيها صور المقاومة الشعبية والتضحية الجماعية وصد «جيش معتدٍ»، مشبهاً مكانتها في الوعي الإيراني بمكانة «الحرب الوطنية العظمى» في الذاكرة الروسية.
وأوضح الخبير أن الرئيس الإيراني يسعى، من خلال هذه المقارنة، إلى إسقاط إطار الحرب الدفاعية بين عامي 1980 و1982 على المواجهة الراهنة، بحيث تبدو إيران في صورة الدولة التي تتعرض لعدوان، فيما يُنتظر من المواطنين العاديين، حتى غير المجربين في الحرب، أن يصمدوا ويقاتلوا تحت شعارات المقاومة والتضحية ورفض العدوان.
وبحسب تحليل «فوكس نيوز»، فإن بعض العبارات التي استخدمها بزشكيان تستحضر أيضاً صورة المقاتلين المتطوعين وقوات الباسيج في مواجهة جيش محترف غازٍ، وهي مفردات مرتبطة بقوة بالخطاب التعبوي الإيراني منذ سنوات الحرب العراقية الإيرانية.
وأشار الدكتور عمر محمد إلى أن ربط بزشكيان بين خرمشهر ومضيق هرمز يعكس أسلوباً إيرانياً معروفاً في التصعيد السياسي والعسكري، مؤكداً أن إدخال المضيق ضمن خطاب تعبوي مرتبط بالحرب ليس تفصيلاً لغوياً، بل «إشارة متعمدة».
وقال محمد لـ«فوكس نيوز» إن «استدعاء المضيق داخل إطار تعبئة حربية، حتى لو كان ذلك خطابياً فقط، هو رسالة مقصودة وليس مجرد تمهيد كلامي»، مضيفاً أن «إطار خرمشهر هو أعمق مستوى رمزي يمكن للنظام الإيراني اللجوء إليه، فهو يستخدم عندما يريد الإيحاء بحرب وجودية لا بأزمة قابلة للإدارة».
وتكتسب الإشارة إلى مضيق هرمز أهمية خاصة في ظل حساسية هذا الممر البحري الاستراتيجي، الذي تمر عبره كميات كبيرة من صادرات الطاقة العالمية، ما يجعل أي تلويح إيراني به محل متابعة دقيقة من الولايات المتحدة ودول المنطقة والأسواق الدولية.
وبينما تحاول الدبلوماسية الأميركية والإيرانية إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، فإن خطاب بزشكيان بدا، وفق ما نقلته «فوكس نيوز»، محاولة لإظهار أن طهران لن تدخل أي تسوية من موقع ضعف، وأنها لا تزال قادرة على استدعاء رموز الحرب والمقاومة في مواجهة الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
وقال محمد إن منشور الرئيس الإيراني عبر الحساب الرئاسي لا يمكن فصله عن الرسائل الداخلية أيضاً، إذ يعكس، على حد تعبيره، وضعاً سياسياً متشدداً داخل إيران، ويرسل إشارة إلى الجمهور والنخب بأن الدولة تتعامل مع المرحلة باعتبارها مواجهة عالية المخاطر.
وأضاف الخبير أن معنى خرمشهر، في الخطاب الإيراني الحالي، يمكن تلخيصه بعبارة واحدة: «نحن نتعرض لغزو، ولن نتفاوض»، وهي رسالة تصعيدية تتجاوز حدود التذكير بذكرى تاريخية، لتدخل في صلب معركة سياسية ودبلوماسية معقدة بين طهران وواشنطن.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات ترامب عن اتفاق «تم التفاوض عليه إلى حد كبير» في مواجهة خطاب إيراني يرفع سقف الرمزية والتعبئة، ما يجعل مسار التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران مرهوناً ليس فقط بتفاصيل البنود المتبقية، بل أيضاً بقدرة الطرفين على إدارة الرسائل السياسية والعسكرية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
قد يعجبك
قلق إسرائيلي من اتفاق أمريكي إيراني مرتقب: “فشل استراتيجي” وتراجع لنفوذ تل أبيب في واشنطن
صفقة تحت النار.. هل ينجح ترامب في تحويل حرب إيران إلى أوسع موجة تطبيع عربي مع إسرائيل؟
مضيق هرمز مقابل العقوبات.. كواليس مقترح الـ 14 بنداً لإنهاء الحصار البحري عن إيران

