وطن-في وقت تشهد فيه البطولات الرياضية الأمريكية والأوروبية طفرة جماهيرية وتسويقية غير مسبوقة، عادت العلاقة المتنامية بين دولة الإمارات وعدد من كبرى المؤسسات الرياضية العالمية إلى قلب الجدل السياسي والحقوقي، بعد اتهامات أمريكية جديدة لأبوظبي باستخدام الرياضة لتحسين صورتها الدولية، رغم الانتقادات المتصاعدة المرتبطة بالحرب في السودان ودعم قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين.
وقالت صحيفة «ميدل إيست آي» البريطانية إن عضو الكونغرس الأمريكي الديمقراطي جيم ماكغفرن انضم، الثلاثاء، إلى ناشطين ومنظمات حقوقية للمطالبة بإنهاء شراكة دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين «إن بي إيه» مع الإمارات، على خلفية الحرب السودانية المستمرة منذ أربعة أعوام، وما تصفه تقارير حقوقية بأنه دعم إماراتي تدريبي ولوجستي ومالي لقوات الدعم السريع.
ويأتي هذا الجدل في لحظة رياضية لافتة؛ إذ بلغ فريق نيويورك نيكس نهائيات دوري كرة السلة الأمريكي، بينما تُوّج نادي أرسنال بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز قبل خسارته نهائي دوري أبطال أوروبا. وبحسب الصحيفة، فإن ما يجمع بين هذه الفرق لا يقتصر على الشعبية العالمية، بل يشمل أيضاً عقود رعاية ضخمة مع الإمارات.
وأوضحت «ميدل إيست آي» أن العلاقة بين أبوظبي ودوري «إن بي إيه» توسعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، بعدما وقّع الدوري اتفاقاً مع دائرة السياحة في أبوظبي عام 2021، قبل أن يبرم في عام 2024 عقد رعاية مع شركة طيران الإمارات، وهي الصفقات التي أصبحت اليوم محور انتقادات حقوقية متزايدة داخل الولايات المتحدة.
وقال جيم ماكغفرن، خلال مؤتمر صحفي افتراضي، إن جماهير الرياضة يجب أن تدرك أن الأموال الناتجة عن هذه الشراكات «تغذي جرائم ضد الإنسانية»، على حد تعبيره. وأضاف: «ينبغي أن يعرف المشجعون أن دوري إن بي إيه يستثمر في الإمارات، وأن الإمارات تستثمر في الفظائع في السودان».
ما المقصود بـ«غسل الرياضة»؟
يرى منتقدو هذه الشراكات أن الإمارات، مثل دول أخرى، تستخدم مفهوم «غسل الرياضة»، أي توظيف البطولات العالمية والأندية الكبرى لتحسين الصورة الدولية وصرف الأنظار عن ملفات سياسية أو حقوقية مثيرة للجدل.
ونقلت الصحيفة عن ماكغفرن قوله إن الحكومات باتت تستخدم بريق الأحداث الرياضية الدولية للتغطية على انتهاكات حقوق الإنسان، وتحسين صورتها أمام الرأي العام العالمي.
ويشغل ماكغفرن منصب الرئيس المشارك للجنة توم لانتوس لحقوق الإنسان في الكونغرس الأمريكي. وقال إن الرسالة التي بعث بها إلى دوري «إن بي إيه» قوبلت برد وصفه بأنه «تقليدي»، موضحاً أن الدوري اكتفى بالتأكيد على التزامه بتوجيهات وزارة الخارجية الأمريكية في كل دولة يعمل فيها.
لكن عضو الكونغرس شدد على أن هدف الحملة ليس مهاجمة الدوري فقط، بل الضغط عليه لاستخدام نفوذه لإجبار الإمارات على وقف أي دور مزعوم في الحرب السودانية. وقال: «هدفنا أن يدفع إن بي إيه الإمارات إلى التخارج من الفظائع في السودان».
استثمارات رياضية بمئات الملايين
وبحسب ما أوردته «ميدل إيست آي»، يشمل اتفاق دوري «إن بي إيه» مع أبوظبي إقامة مباريات ما قبل الموسم في العاصمة الإماراتية، وتنظيم بطولات للشباب، وفعاليات دعائية بمشاركة نجوم الدوري، إضافة إلى اعتماد أبوظبي شريكاً سياحياً رسمياً للدوري في أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا والصين.
وفي عام 2026، توسع التعاون ليشمل إنشاء أكاديمية عالمية تابعة للدوري في أبوظبي، ما عزز الحضور الإماراتي داخل منظومة كرة السلة الأمريكية.
أما اتفاق الرعاية مع طيران الإمارات، فيتضمن إطلاق اسم «كأس الإمارات إن بي إيه» على بطولة منتصف الموسم، إلى جانب وضع شعار الشركة على قمصان الحكام ولوحات الملاعب، وبث محتوى الدوري على رحلات طيران الإمارات.
وقال جون برندرغاست، المسؤول السابق في البيت الأبيض والمؤسس المشارك لمنظمة «ذا سنتري» مع الممثل الأمريكي جورج كلوني، إن الصفقة تمثل واحدة من أكبر اتفاقيات الرعاية الحكومية في تاريخ الدوريين الأمريكيين «إن بي إيه» و«دبليو إن بي إيه».
وأضاف، وفق ما نقلته الصحيفة، أن هذه الاتفاقيات قد تحقق ما يقارب 500 مليون دولار من العائدات الإعلانية للطرفين، أي للدوري الأمريكي والإمارات.
كما أشار إلى أن فريق نيويورك نيكس نفسه يمتلك صفقة مستقلة مع الإمارات تُقدّر قيمتها بنحو 30 مليون دولار.
السودان في قلب الجدل
تأتي هذه الانتقادات في ظل استمرار الحرب السودانية التي تصفها منظمات دولية بأنها واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم حالياً، مع اتهامات لقوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات تشمل القتل الجماعي، والتهجير، والعنف الجنسي، ونهب الممتلكات.
وتؤكد منظمة «لاجئون دوليون» أن السودان يشهد أكبر أزمة نزوح وجوع في العالم، في وقت تتزايد فيه الاتهامات الموجهة للإمارات بدعم قوات الدعم السريع.
وبحسب «ميدل إيست آي»، تنفي أبوظبي بشكل متكرر أي دعم عسكري أو مالي لهذه القوات، رغم ما تصفه الصحيفة بتراكم الأدلة، بما يشمل شهادات قادة سابقين، وصور أقمار صناعية، وبيانات تتبع الرحلات الجوية، وأرقاماً تسلسلية لأسلحة ظهرت في ساحات القتال.
وفي المقابل، قال الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله، المعروف بقربه من دوائر صنع القرار في أبوظبي، إن التركيز على الإمارات وحدها «انتقائي»، مشيراً إلى أن قوات الدعم السريع تتلقى أيضاً دعماً من دول أخرى مثل أوغندا وتشاد وإثيوبيا.
هل يمكن أن تتراجع الشراكات الرياضية؟
من جهتها، قالت نعمت أحمدي، رئيسة مجموعة عمل نساء دارفور، إن دوري «إن بي إيه» ليس بحاجة فعلية إلى أموال الإمارات، بل إن أبوظبي هي التي تحتاج إلى هذه الشراكات لتحسين صورتها الدولية.
وأضافت أن الشركات الأمريكية الكبرى تملك القدرة على تقديم عقود رعاية ضخمة، ما يعني أن الدوري الأمريكي لم يكن مضطراً لعقد اتفاقات مع حكومة تواجه انتقادات حقوقية متزايدة.
وأشار برندرغاست إلى تجربة نادي أرسنال مع حملة «زوروا رواندا»، والتي انتهت تحت ضغط جماهيري، معتبراً أن السيناريو نفسه قد يتكرر مع دوري «إن بي إيه» إذا تصاعدت الضغوط الشعبية والحقوقية.
وفي السياق نفسه، قال جيريمي كونينديك، رئيس منظمة «لاجئون دوليون»، إن ارتداء قمصان الفرق الرياضية التي تحمل شعارات الرعاة يجعل كثيرين يشاركون، من دون قصد، في عملية «غسل الرياضة»، لأنهم لا يفكرون عادة بالخلفيات السياسية أو الحقوقية لهذه الشراكات.
الرياضة بين الترفيه والسياسة
تعكس هذه القضية اتساع الجدل العالمي حول العلاقة بين الرياضة والمال السياسي، خصوصاً مع دخول دول غنية بالنفط بقوة إلى عالم الرعاية والاستثمار الرياضي.
فبينما ترى الإمارات أن استثماراتها الرياضية جزء من استراتيجية اقتصادية وسياحية عالمية، يعتبر منتقدوها أن هذه الشراكات تستخدم لتلميع الصورة الدولية وتخفيف الضغوط المرتبطة بملفات الحروب وحقوق الإنسان.
ومع استمرار الحرب في السودان، يبدو أن الضغوط على دوري «إن بي إيه» وشركائه الرياضيين قد تتصاعد خلال الفترة المقبلة، في وقت باتت فيه الرياضة نفسها ساحة جديدة للصراع السياسي والحقوقي على مستوى العالم.
اقرأ المزيد
تناقضات أبوظبي الإقليمية: كيف يفضح سجل اليمن والسودان وغزة خطاب الإمارات حول القانون الدولي؟
من بوغوتا إلى دارفور.. كيف نقلت شركات أبوظبي “المقاتلين الكولومبيين” إلى حرب السودان؟

