وطن-دخلت الاحتجاجات في ألبانيا يومها الرابع، رفضاً لمشروع إنشاء منتجع سياحي فاخر على الساحل الأدرياتيكي، تدعمه شركة استثمارية مرتبطة بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثه الخاص، وسط مخاوف بيئية متصاعدة من تهديد موائل طبيعية نادرة وأنواع من الطيور والحياة البحرية.
وقال موقع “ميدل إيست آي” إن آلاف المتظاهرين خرجوا إلى شوارع العاصمة تيرانا خلال الأيام الماضية، وتجمعوا أمام مكتب رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، احتجاجاً على مشروع ضخم تبلغ كلفته نحو 1.6 مليار دولار، بدأ العمل التمهيدي له أخيراً في منطقة حساسة بيئياً جنوب البلاد.
وبحسب ما أوردته وكالة “فرانس برس”، فقد تواصلت التظاهرات في تيرانا، حيث رفع محتجون مجسمات وصوراً لطيور الفلامنغو الوردية، في إشارة إلى المخاوف من تضرر أنواع الطيور التي تعتمد على المنطقة كمحطة للتوقف والتكاثر والهجرة على امتداد الساحل الأدرياتيكي.
ويشمل المشروع المقترح جزيرة سازان غير المأهولة، إلى جانب أراضٍ رطبة وموائل ساحلية تحيط بها، وهي مناطق تقول جماعات بيئية إنها ذات قيمة عالية للتنوع البيولوجي في ألبانيا والبحر المتوسط. وتعد شركة Affinity Partners التابعة لكوشنر أحد أبرز المستثمرين في المشروع السياحي الفاخر.
ونقل موقع “ميدل إيست آي” عن إيفانكا ترامب، زوجة كوشنر وابنة الرئيس الأمريكي، قولها في مقابلة هذا الأسبوع إنها وزوجها “عثرا” على الجزيرة غير المأهولة خلال رحلة بحرية خاصة. وأضافت: “كنا على قارب أحد الأصدقاء، وتوقفنا للسباحة. عملياً، هكذا وجدناها”. وتابعت: “سبحنا إلى الجزيرة، ثم صعدنا سيراً حفاة حتى القمة، وشعرنا بانبهار شديد بالمكان”.
وتتركز الاحتجاجات ضد شركة “Affinity Partners”، لكنها تستهدف أيضاً حكومة رئيس الوزراء إيدي راما وحزبه الاشتراكي، بسبب دعمهما القوي للمشروع. ويرى راما أن المنتجع يمثل خطوة جديدة ضمن خطة تحويل ألبانيا إلى وجهة سياحية كبرى في المنطقة، مؤكداً أن المشروع سيجلب استثمارات ضخمة وفرص عمل ويحسن البنية التحتية.
ووفقاً لما نشره “ميدل إيست آي”، يقول رئيس الوزراء الألباني إن المشروع يمكن أن يستقطب استثمارات تصل إلى 4.6 مليار دولار، في إطار استراتيجية أوسع لجذب رؤوس الأموال الأجنبية وتعزيز مكانة ألبانيا السياحية، خصوصاً مع سعيه إلى إدخال البلاد في الاتحاد الأوروبي بعد فوزه بولاية رابعة عام 2025.
لكن هذه الرواية الحكومية تصطدم بمعارضة بيئية واسعة. فقد وجّهت أكثر من 40 منظمة بيئية رسالة إلى الحكومة الألبانية تطالب فيها بتعليق المشروع، محذرة من أن أعمال البناء قد تلحق ضرراً كبيراً بالأنظمة البيئية في المنطقة، لا سيما الموائل الساحلية والأراضي الرطبة التي تعد محطة مهمة للطيور المهاجرة.
وقالت صحيفة الغارديان إن المنطقة القريبة من جزيرة سازان تمثل أحد آخر الملاذات لفقمة الراهب المتوسطية، وهي من الأنواع البحرية المهددة. كما تؤوي المنطقة طيور الفلامنغو والبجع الدلماسي، إلى جانب أكثر من 200 نوع من الطيور التي تستخدم هذا الشريط الساحلي كمأوى ومحطة عبور.
ونقلت الصحيفة عن ألكسندر ترايتشه، المدير التنفيذي لجمعية حماية وصون البيئة الطبيعية في ألبانيا PPNEA، وهي من أبرز منظمات الحفاظ على الطبيعة في البلاد، قوله إن المشروع يعاني منذ البداية من “غياب كامل للشفافية”. وأضاف: “لم نشهد أي تشاور عام أو وثائق علنية بشأن التصاريح، وما نقوله الآن هو: إذا أزالوا الجرافات والسياج وأعادوا الموائل إلى ما كانت عليه، يمكن حينها أن نبدأ الحديث”.
وتصاعدت حدة الغضب الشعبي مع بدء الأعمال التمهيدية في الموقع، إذ يرى المحتجون أن المشروع لا يهدد الطبيعة فقط، بل يكشف أيضاً خللاً في إدارة القرارات المتعلقة بالموارد العامة والمناطق الحساسة بيئياً. ويطالب ناشطون بوقف فوري للأعمال إلى حين إجراء تقييم بيئي شفاف ومشاركة المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار.
وبحسب “ميدل إيست آي”، حاول رئيس الوزراء إيدي راما امتصاص غضب الشارع، معلناً الثلاثاء استعداده للقاء المتظاهرين والبحث عن حل للأزمة. لكنه في الوقت نفسه شدد على أنه “لا توجد أي فرصة على الإطلاق لوقف الاستثمار طالما أنني هنا”، في موقف زاد من حدة الانتقادات الموجهة إلى حكومته.
من جهتهم، دافع المطورون عن المشروع، مؤكدين أنه يراعي المعايير البيئية ويهدف إلى تحقيق فوائد طويلة الأمد للمجتمعات المحلية. وقال آشر أبيهسيرا، رئيس شركة “Sazan Real Estate Development LLC” المطورة للمشروع إلى جانب “Affinity Partners”، إن تركيزهم ينصب على “الإدارة المسؤولة، وتعزيز البيئة، وخلق فرص العمل، وتوفير قيمة طويلة الأمد للمجتمعات المحلية”، مضيفاً أنهم يحترمون المسارات العامة والمؤسساتية الجارية.
غير أن الجدل حول مشروع ألبانيا ليس الأول من نوعه بالنسبة إلى جاريد كوشنر في منطقة البلقان. فقد سبق له أن خطط لبناء فندق ترامب إنترناشيونال في العاصمة الصربية بلغراد، لكن المشروع واجه معارضة شديدة، قبل أن ينسحب كوشنر منه في وقت سابق من هذا العام بعد توقيف وزير في الحكومة الصربية بتهمة إساءة استخدام المنصب على صلة بالمشروع.
وأشار موقع “ميدل إيست آي” إلى أن كوشنر أثار كذلك جدلاً واسعاً هذا العام بعد إعلانه خططاً لما سماه “غزة الجديدة”، تتضمن ناطحات سحاب لامعة ومناطق جذب سياحي ساحلية وأحياء مخصصة للأعمال والتجارة. واعتبر محللون تحدثوا للموقع أن هذه الخطة تمثل نموذجاً جديداً لمحاولات شركات وأفراد تحقيق أرباح من الحروب والمآسي الإنسانية.
وتضع احتجاجات ألبانيا الحكومة أمام اختبار صعب بين طموحاتها الاقتصادية والسياحية من جهة، والتزاماتها البيئية وحق المواطنين في الشفافية من جهة أخرى. وبينما تصر الحكومة والمستثمرون على المضي قدماً في المشروع، يؤكد الناشطون أن حماية جزيرة سازان وموائلها الطبيعية ليست قضية محلية فحسب، بل معركة للدفاع عن واحد من آخر النظم البيئية الحساسة على الساحل الأدرياتيكي.
اقرأ المزيد
من حصن شيوعي إلى ملاذ المليارديرات: خفايا مشروع جاريد كوشنير في جزيرة “سازان” الاستراتيجية
خطة كوشنر السرية.. هل ينجح “المركز متعدد الأديان” في إنهاء الوصاية الأردنية وتقسيم الأقصى؟

