وطن-كشفت وثائق إسرائيلية مسرّبة عن جانب خفي من أنشطة الجيش الإسرائيلي لا يرتبط بالعمليات العسكرية التقليدية، بل بما يُعرف بـ”حرب الوعي” أو “الحرب النفسية”، وهي منظومة متخصصة تهدف إلى التأثير على الرأي العام وصناعة السرديات وتوجيه الإدراك الجماعي عبر الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
وبحسب ما ورد في تحقيق نشره موقع إسرائيلي، فإن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تدير برامج تدريب متقدمة لتأهيل مئات العناصر سنوياً في مجالات التأثير الإعلامي والنفسي، ضمن وحدات متخصصة تعمل على دراسة المجتمعات المستهدفة وتحليل سلوكها الرقمي والنفسي بهدف التأثير على مواقفها وتوجهاتها.
من الدعاية التقليدية إلى هندسة الوعي
تكشف الوثائق أن الأمر تجاوز حدود الدعاية السياسية التقليدية، ليصل إلى ما يُعرف بـ”هندسة الوعي”، وهي مجموعة من الأساليب التي تجمع بين علم النفس والاتصال الرقمي وتحليل البيانات من أجل التأثير على الجمهور بصورة غير مباشرة.
وتشير المعلومات المسرّبة إلى أن المتدربين يتلقون برامج مكثفة حول كيفية بناء الرسائل الإعلامية المؤثرة، وصناعة الروايات السياسية، واختيار المحتوى القادر على إثارة التفاعل أو تغيير المواقف العامة تجاه قضايا معينة.
كما تتضمن الدورات تدريباً على دراسة الخصائص النفسية والثقافية للفئات المستهدفة، بما يسمح بتكييف الرسائل الإعلامية وفقاً لطبيعة كل جمهور.
تجنيد المؤثرين واختراق المنصات الرقمية
ومن بين أكثر الجوانب إثارة للجدل في الوثائق، الحديث عن الاستفادة من المؤثرين وصناع المحتوى في نشر رسائل محددة وصياغة اتجاهات الرأي العام.
وتوضح التسريبات أن بعض البرامج التدريبية تركز على كيفية استخدام الشبكات الاجتماعية لبناء حملات تأثير واسعة النطاق، إضافة إلى قياس ردود فعل الجمهور بشكل فوري وتعديل الرسائل الإعلامية تبعاً للتفاعل الذي تحققه.
ويرى مراقبون أن هذا النوع من العمليات يعكس تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة مواجهة موازية للحروب التقليدية، حيث أصبحت المعركة تدور حول تشكيل القناعات بقدر ما تدور حول السيطرة الميدانية.
أساليب سرية لإخفاء مصدر المحتوى
وتتحدث الوثائق أيضاً عن تدريبات متخصصة تتعلق بآليات نشر المحتوى بطرق تجعل من الصعب تتبع الجهة الحقيقية التي تقف وراءه.
كما أشارت التسريبات إلى وجود اهتمام بتطوير أساليب تسمح بزيادة انتشار الرسائل الإعلامية مع تقليل احتمالات اكتشاف ارتباطها بالمؤسسات الرسمية.
ويقول خبراء في الإعلام الرقمي إن مثل هذه الأساليب تُستخدم عادة في عمليات التأثير المنظم التي تهدف إلى خلق انطباع بأن الرسائل المتداولة نابعة من مستخدمين عاديين أو جهات مستقلة.
حملة سرية خلال حرب غزة
وتأتي هذه الوثائق بعد تقارير وتحقيقات إسرائيلية سابقة تحدثت عن إدارة حملات إعلامية سرية خلال الحرب على غزة، تضمنت نشر محتوى موجّه عبر منصات رقمية مختلفة.
وبحسب تلك التحقيقات، جرى استخدام أدوات إعلامية متعددة للتأثير على النقاش العام داخل إسرائيل وخارجها، مع الاستعانة بمؤثرين وشخصيات إعلامية لنقل رسائل تمت صياغتها داخل دوائر رسمية.
وأثارت هذه المعلومات جدلاً واسعاً بشأن الحدود الفاصلة بين الإعلام والتأثير السياسي، وحول دور المؤسسات العسكرية في إدارة الخطاب العام خلال فترات النزاعات.
معركة العقول في العصر الرقمي
تكشف هذه التسريبات أن الحروب الحديثة لم تعد تقتصر على الجبهات العسكرية التقليدية، بل باتت تشمل فضاءات جديدة تعتمد على البيانات والخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي.
ففي عالم تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، أصبحت القدرة على توجيه السرديات والتأثير على الإدراك العام جزءاً أساسياً من أدوات القوة والنفوذ.
وتسلط الوثائق الضوء على واقع متزايد الحضور في النزاعات المعاصرة، حيث تتحول الهواتف الذكية والشبكات الاجتماعية إلى ساحات معركة موازية، يكون الهدف فيها كسب العقول والاتجاهات قبل كسب المواقع على الأرض.
اقرأ المزيد
اختراق في قلب البنتاغون.. هل تجاوز تجسس إسرائيل على إدارة ترامب الخطوط الحمراء؟
كوربن وبولانسكي يدينان منع حسن بايكر وجينك أويغور من الدخول ويتهمان لندن بحظر نقد إسرائيل
قلق إسرائيلي من اتفاق أمريكي إيراني مرتقب: “فشل استراتيجي” وتراجع لنفوذ تل أبيب في واشنطن

