وطن-في عصر تهيمن عليه الشاشات الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والمحتوى الفوري، يبدو الملل وكأنه حالة يجب الهروب منها بأي وسيلة. لكن ما كان يُنظر إليه سابقاً على أنه وقت ضائع، أصبح اليوم محل اهتمام متزايد لدى علماء النفس والباحثين في علوم الأعصاب، الذين يرون أن الفراغ والملل لعبا دوراً مهماً في تشكيل قدرات ذهنية يتمتع بها كثير من أبناء جيل الستينيات والسبعينيات حتى اليوم.
وذكرت مجلة «أوفيمينان» الفرنسية أن الأطفال الذين نشأوا خلال تلك الحقبة عاشوا في عالم مختلف تماماً عن العالم الرقمي الحالي. فلم تكن هناك هواتف ذكية أو منصات بث أو تطبيقات ترفيهية تملأ كل لحظة فراغ، بل كان الأطفال يواجهون ساعات طويلة من الوقت المفتوح، ما دفعهم إلى ابتكار ألعابهم الخاصة وصناعة عوالمهم الخيالية بأنفسهم.
وبحسب المجلة، لم يكن الملل مجرد شعور عابر، بل تحول إلى تدريب ذهني غير مباشر ساعد الأطفال على تطوير الخيال والإبداع والقدرة على التركيز والصبر. فبدلاً من تلقي الترفيه جاهزاً، كان عليهم إنتاجه بأنفسهم من خلال التفكير والتجريب والابتكار.
واليوم، وبعد مرور عقود، لا يزال كثير من أبناء ذلك الجيل يحتفظون بقدرة لافتة على الجلوس بهدوء من دون شاشة، أو قراءة كتاب لساعات طويلة، أو التفكير المتأني في المشكلات دون الحاجة إلى البحث الفوري عن الإجابات عبر الإنترنت.
وأوضحت المجلة أن هذه القدرات ليست مجرد مسألة شخصية أو سمة فردية، بل نتيجة مباشرة لسنوات طويلة من التمرين العقلي غير المقصود. فالعقل، مثل العضلات، يطوّر مهاراته من خلال التكرار والممارسة المستمرة.
وفي هذا السياق، تشير الباحثة جيمي جيراوت، المتخصصة في نمو الطفل بجامعة فرجينيا، إلى أن الوقت الحر غير المنظم يمنح الأطفال فرصة ثمينة لتطوير مهارات الاستقلالية واتخاذ القرار وحل المشكلات. فعندما لا يجد الطفل من يحدد له ما يجب فعله، يضطر إلى البحث عن حلول بنفسه، ما يعزز قدراته الإبداعية والذهنية.
وتضيف المجلة أن الملل لا يمثل حالة من الفراغ العقلي كما يعتقد البعض، بل يعد مرحلة انتقالية تدفع الدماغ إلى البحث عن مصادر جديدة للتحفيز. وهنا يبدأ العقل في تشغيل آليات التخيل وربط الأفكار واستدعاء الذكريات وصناعة السيناريوهات الجديدة.
وتدعم هذه الفكرة أبحاث عالمة النفس ساندي مان، التي ترى أن الملل يدفع الدماغ إلى إنتاج التحفيز من الداخل عندما يفشل في العثور عليه في البيئة المحيطة، وهو ما يفتح المجال أمام الإبداع والتفكير الخلاق.
كما تشير دراسات حديثة في علوم الأعصاب إلى أن لحظات الشرود الذهني والفراغ تنشط ما يُعرف بـ«شبكة الوضع الافتراضي» داخل الدماغ، وهي شبكة عصبية ترتبط بالتأمل وأحلام اليقظة والتفكير الحر والابتكار وربط الأفكار بطريقة غير تقليدية.
وفي المقابل، يواجه أطفال العصر الرقمي واقعاً مختلفاً تماماً، حيث يمكن لأي لحظة انتظار أو فراغ أن تُملأ فوراً بمقطع فيديو أو لعبة إلكترونية أو تصفح سريع لمنصات التواصل الاجتماعي. ويرى خبراء أن هذا التدفق المستمر للمحفزات قد يقلل من فرص الدماغ في ممارسة مهارات التخيل والصبر والإبداع الذاتي.
ومع ذلك، تؤكد المجلة الفرنسية أن القدرة على التركيز وتحمل الملل وتنشيط الخيال ليست حكراً على جيل معين، بل يمكن تنميتها واستعادتها في أي مرحلة عمرية. ويكمن المفتاح في منح العقل فترات من الهدوء والفراغ بعيداً عن الشاشات والإشعارات المستمرة.
وفي النهاية، لا تكمن أهمية تجربة جيل الستينيات والسبعينيات في الحنين إلى الماضي، بل في تذكيرنا بأهمية المساحات الصامتة التي يحتاجها العقل ليبدع ويبتكر. فبينما وفرت التكنولوجيا الحديثة فرصاً غير مسبوقة للتعلم والتواصل، يبقى الملل الهادئ أحد أكثر التدريبات الذهنية قيمة، وقد يكون في كثير من الأحيان البوابة الحقيقية نحو التركيز والإبداع.
قد يعجبك
صرخة الأعصاب الصامتة: كيف تدمر الهواتف الكبيرة عصب يدك دون أن تشعر؟
عادة يومية “بسيطة” تدمر حالتك المزاجية دون أن تشعر.. هل تقوم بها؟
استخدام الشبكات الاجتماعية… متى تتحول مواقع التواصل إلى إدمان؟

