وطن-تصاعد التوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى مستوى غير مسبوق، بعد تصريحات مثيرة أدلى بها ترامب قال فيها إن ميلوني «توسلت» إليه لالتقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع G7 في إيفيان الفرنسية، وهو ما ردت عليه الزعيمة الإيطالية بلهجة حادة مؤكدة: «لا أنا ولا إيطاليا سنتوسل أبداً».
وقالت صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية إن ما بدا في البداية محاولة لطي صفحة الخلاف بين ترامب وميلوني لم يصمد طويلاً، إذ تحولت المصالحة المفترضة إلى تبادل علني للاتهامات، انتهى بأزمة دبلوماسية بين واشنطن وروما، بعدما اعتبرت الحكومة الإيطالية تصريحات الرئيس الأمريكي إهانة لرئيسة الوزراء ولإيطاليا بأكملها.
وبحسب الصحيفة، فإن ترامب علّق خلال اتصال هاتفي مع قناة إيطالية خاصة على لقائه الأخير بميلوني قائلاً: «لقد أشعرتني بالشفقة»، في إشارة إلى طلبها المزعوم التقاط صورة معه. أما ميلوني، التي بدت متأثرة بالتصريحات، فردت سريعاً عبر مقطع مصور من بروكسل قائلة: «أنا مذهولة بصراحة».
وكان ترامب قد التقى ميلوني، الثلاثاء الماضي، على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان، حيث صافحها أمام الكاميرات رغم أن ملامحه بدت متجهمة، قبل أن يظهر لاحقاً في مقطع فيديو وهو يقول في بداية أعمال القمة: «لقد كنا دائماً نكنّ الكثير من الود لبعضنا البعض». وكان ذلك اللقاء الأول بين الطرفين بعد خلاف حاد اندلع في أبريل الماضي، إثر هجمات ترامب على البابا ليون الرابع عشر، والتي سارعت ميلوني آنذاك إلى الدفاع عنه.
وأضافت صحيفة لا فانغوارديا أن خلفية التوتر لا تتوقف عند الخلاف بشأن البابا، إذ إن الرئيس الأمريكي كان منزعجاً أيضاً من رفض الحكومة الإيطالية السماح باستخدام قاعدة سيغونيلا العسكرية في صقلية لتنفيذ هجمات ضد إيران، وهو ملف زاد من حساسية العلاقة بين البلدين.
وعلى الرغم من الصور التي التقطتها الكاميرات خلال قمة إيفيان، والتي أظهرت ترامب وميلوني وهما يبتسمان خلال اجتماع ثنائي، فإن تلك المشاهد لم تكن كافية لإعادة ترميم العلاقة بين اثنين من أبرز رموز اليمين العالمي، بعدما كانا في السابق حليفين قريبين. ونقلت الصحيفة عن أوساط قريبة من رئيسة الوزراء الإيطالية أن أسلوب ميلوني الساخر ربما فُسّر داخل دائرة ترامب باعتباره نوعاً من الاستهزاء، ما أثار غضبه وأصاب كبرياءه السياسي.
وفي ختام القمة، حاولت ميلوني إظهار أن العلاقة مع ترامب لم تتأثر، قائلة إنها وجدت معه «علاقة لم تتغير»، كما تحدثت عن «توافقات واسعة» خلال اللقاءات التي عقدت في فرنسا. غير أن تصريحات ترامب اللاحقة نسفت هذا الانطباع سريعاً.
وكشفت صحيفة لا فانغوارديا أن ترامب، وبعد يومين فقط من القمة، رد على اتصال من مراسل قناة La7 الإيطالية قائلاً: «ربما هي سعيدة لأنني تحدثت معها! لم أكن مضطراً إلى الحديث معها». ثم أضاف بعبارة أشعلت الأزمة: «لا أعرف ماذا أقول لك. لقد توسلت إليّ لالتقاط صورة معي. كانت تريد صورة معي بشدة. كان بإمكاني ألا ألتقطها، لكنني شعرت بالشفقة عليها».
ولم تنتظر ميلوني طويلاً للرد. فبعد أقل من ساعة على نشر تصريحات ترامب، ظهرت رئيسة الوزراء الإيطالية في مقطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي من بروكسل، حيث كانت تشارك في أعمال المجلس الأوروبي، وقالت: «هناك أمور تستحق رداً فورياً: تصريحات دونالد ترامب مختلقة تماماً. بصراحة، أنا مذهولة».
وأضافت ميلوني بنبرة حازمة: «لا أعرف لماذا يتصرف رئيس الولايات المتحدة بهذه الطريقة مع حلفائه، وعلى أي حال، ليست هذه المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك». ثم ختمت رسالتها بعبارة حملت طابعاً سياسياً ووطنياً واضحاً: «هناك شيء واحد يجب أن يتذكره: لا أنا ولا إيطاليا نتوسل أبداً».
وبحسب ما أوردته صحيفة “لا فانغوارديا”، لم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ عاد ترامب لاحقاً إلى مهاجمة ميلوني في تصريحات لمراسل شبكة “إن بي سي” غايب غوتيريز، قائلاً: «كانت من كبار المعجبين بي». وأضاف: «لكنني لا أريدها معجبة، لأنها، مثل بقية أعضاء حلف شمال الأطلسي، لم تكن على مستوى المسؤولية فيما يتعلق بمضيق هرمز».
وفي روما، بدأت التكهنات داخل قصر كيجي، مقر رئاسة الحكومة الإيطالية، حول دوافع ترامب لاختيار قناة La7 تحديداً لإطلاق هجومه. وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أن بعض المراقبين يرون أن الرئيس الأمريكي ربما تلقى نصيحة من مستشارين يعرفون جيداً تفاصيل السياسة الإيطالية، خصوصاً أن القناة تُعد قريبة من تيار يسار الوسط، وهي مملوكة لرجل الأعمال أوربانو كايرو، الذي يمتلك أيضاً وسائل إعلام ذات خطوط تحريرية مختلفة، بينها صحيفة “كورييري ديلا سيرا”، وفي إسبانيا صحيفتا “إل موندو وماركا”.
وسرعان ما تحولت التصريحات إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة. فقد أعلن وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إلغاء زيارته إلى الولايات المتحدة، التي كانت مقررة يومي 21 و22 يونيو للمشاركة في قمة بمدينة ميامي، وذلك احتجاجاً على ما وصفه بـ«الكلمات الخطيرة والمسيئة» التي وجهها ترامب إلى ميلوني.
وقال تاياني، وفق ما نقلته الصحيفة، إن تصريحات ترامب «تهين إيطاليا كلها»، في موقف يعكس حجم الغضب داخل الحكومة الإيطالية من الطريقة التي تحدث بها الرئيس الأمريكي عن رئيسة الوزراء.
وامتدت ردود الفعل إلى بروكسل، حيث تلقت ميلوني رسائل تضامن من قادة أوروبيين ومسؤولين إيطاليين. وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في ختام اجتماع المجلس الأوروبي، إنه عبّر لميلوني عن «كل التضامن في مواجهة هذا الهجوم، الذي لا يمكن اعتباره سياسياً ولا شخصياً. لا أعرف كيف يمكن وصفه».
وأضاف سانشيز أنه لم يكتف بالتعبير علناً عن دعمه لرئيسة الوزراء الإيطالية خلال المؤتمر الصحفي، بل نقل لها ذلك أيضاً بشكل خاص. كما تلقّت ميلوني اتصالاً من الرئيس الإيطالي سيرجيو ماتاريلا، أعرب فيه عن قربه وتضامنه معها، إلى جانب رسائل دعم من أبرز قادة المعارضة المنتمية إلى يسار الوسط.
وتشير تطورات الأزمة بين ترامب وميلوني إلى أن الخلاف لم يعد مجرد سوء تفاهم عابر على هامش قمة G7، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي للعلاقة بين الولايات المتحدة وإيطاليا، خصوصاً في ظل تداخل الملفات الحساسة مثل إيران، ومضيق هرمز، ودور حلف الناتو، وطبيعة التحالفات داخل المعسكر الغربي.
قد يعجبك
“دبلوماسية اللا”: كيف فكك حلفاء واشنطن شيفرة التعامل مع ترامب دون خسائر؟
دبلوماسية الكراميل.. كيف أشعلت حلوى “ميلودي” بورصة بومباي بعد هدية مودي لميلوني؟
تفكك الغرب؟ كيف تحولت الحرب مع إيران إلى “مسمار في نعش” العلاقة بين واشنطن وأوروبا

