وطن-تحوّل المخرج الروسي بافيل تالانكين من مدرس يعيش في مدينة صناعية صغيرة إلى أحد أبرز الأصوات المنتقدة للكرملين، بعدما حصد جائزة أوسكار لأفضل فيلم وثائقي طويل عن عمله الذي يكشف، من داخل مدرسة روسية، كيف وصلت دعاية الحرب إلى الفصول الدراسية وحياة الطلاب اليومية.
وذكرت صحيفة “لا فانغوارديا” الإسبانية أن تالانكين، المقيم حالياً في أوروبا، شارك خلال عطلة نهاية الأسبوع في مهرجان ناتالونغا الذي تنظمه مؤسسة أوروبا الآن في جزيرة فينتوتيني الإيطالية، وهي الجزيرة التي استخدمها النظام الفاشي الإيطالي في الماضي منفى لعدد من معارضيه.
وخلال مشاركته عبر اتصال مرئي، ظهر المخرج الروسي حاملاً تمثال الأوسكار، بعدما كتب عليه عبارة تنتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشكل مباشر، في رسالة تعكس موقفه السياسي بعد تحوله إلى أحد أبرز معارضي الحرب الروسية على أوكرانيا.
رحلة بدأت بتذكرة ذهاب وعودة
يروي تالانكين أن نهاية تصوير الفيلم لم تكن نهاية القصة، بل بداية حياة جديدة خارج روسيا. فقد بدأ، بهدوء، في توزيع مقتنياته الشخصية على أصدقائه وأفراد عائلته، وأهدى معدات التصوير إلى طلابه، ثم غادر إلى مدينة إسطنبول بتذكرة ذهاب وعودة، وكأنه في رحلة قصيرة.
لكن تلك العودة لم تحدث أبداً. ومن إسطنبول انتقل إلى أوروبا، حيث حصل على تأشيرة دخول سمحت له بالبقاء ثلاثة أشهر، استغلها لإنجاز عمليات مونتاج الفيلم في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال صيف عام 2024، قبل أن يبدأ العمل رحلته في المهرجانات السينمائية العالمية.
كيف وصل الفيلم إلى روسيا؟
وعلى الرغم من مغادرته البلاد، يؤكد المخرج أن الفيلم وجد طريقه إلى مدينته الروسية. فبحسب روايته، صوّر أحد المشاهدين الفيلم داخل إحدى دور السينما باستخدام هاتفه المحمول، ثم أرسل التسجيل إلى بلدية المدينة، قبل أن تنتشر النسخة بين السكان. وبعد ذلك أصبح بإمكان كثيرين مشاهدة نسخة أفضل عبر هيئة الإذاعة البريطانية.
والدته تؤيد بوتين
ومن أكثر الشخصيات حضوراً في الفيلم والدة المخرج، التي تعمل أمينة مكتبة في المدرسة نفسها، وتؤيد الرئيس فلاديمير بوتين.
ويقول تالانكين إن علاقته بوالدته لم تنقطع رغم اختلاف مواقفهما السياسية، موضحاً أن الصدمة كانت كبيرة بالنسبة لها في البداية، لكنه حاول مساعدتها نفسياً حتى تقبلت ما حدث وأصبحت أكثر هدوءاً مع مرور الوقت.
صمت داخل المدارس
ويكشف المخرج أن إدارة المدارس في المدينة لم تعلق على الفيلم إطلاقاً، بعدما تدخل جهاز الأمن الفيدرالي الروسي. وبحسب صحيفة “لا فانغوارديا”، جُمِع مديرو المدارس وأُبلغوا بعدم الحديث عن الفيلم أو عن مخرجه، في محاولة لمنع تداوله داخل المؤسسات التعليمية.
وعلى الرغم من ذلك، لا يزال تالانكين يحتفظ بعلاقات شخصية مع بعض زملائه، ويحرص على التواصل معهم في المناسبات الاجتماعية، في محاولة للحفاظ على الروابط الإنسانية رغم الخلافات السياسية.
فيلم يوثق عسكرة التعليم
بدأ تصوير الفيلم مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022. ويعرض العمل مشاهد لطلاب يتلقون تدريبات عسكرية داخل المدرسة، ويتعلمون رمي القنابل اليدوية، بينما يقدم عناصر من مجموعة فاغنر شروحات حول الألغام والأسلحة، إلى جانب عروض ذات طابع عسكري داخل الممرات الدراسية.
ويؤكد تالانكين أنه لم يكن ينوي في البداية إنتاج فيلم سينمائي، بل كان يوثق ما يجري للاحتفاظ به كأرشيف شخصي، قبل أن يقنعه المخرج المشارك ديفيد بورنشتاين بتحويل المادة المصورة إلى فيلم وثائقي.
لحظة غيّرت قراره
ويقول المخرج إن تردده انتهى بعد استماعه إلى مقابلة مع الممثلة الروسية أليسا فريندليخ، التي تحدثت عن ندمها لأنها لم تنجز ما كانت ترغب فيه عندما كان الوقت مناسباً.
ويضيف أن كلماتها دفعته إلى نشر الفيلم فوراً، بدلاً من انتظار تغير الظروف السياسية في روسيا.
“عميل أجنبي”
وفي مارس الماضي، أدرجت السلطات الروسية اسم تالانكين ضمن قائمة “العملاء الأجانب”، وهي صفة تستخدمها موسكو بحق عدد من المعارضين والناشطين ووسائل الإعلام المستقلة.
ويؤكد المخرج أن فريقاً متخصصاً يتولى متابعة إجراءات حمايته منذ بدء المشروع، خصوصاً بعد فوزه بجائزة الأوسكار، حيث تلقى نصائح بتجنب اللقاءات الخاصة والدعوات غير المعروفة، خشية التعرض لمحاولات استهداف أو مراقبة.
“هناك من يدفع ثمناً أكبر”
وعلى الرغم من حياته الجديدة في أوروبا، يرفض تالانكين اعتبار نفسه أكثر المتضررين. ويقول إن النشطاء والصحفيين الذين بقوا داخل روسيا ويواصلون معارضة الحكومة يواجهون مخاطر أكبر، قد تصل إلى الاعتقال وأحكام السجن الطويلة، مشيراً إلى أن بعض القضايا تبدأ بسبب منشورات أو صور أو حتى محتوى رقمي بسيط.
تحدي الفيلم القادم
ويستعد المخرج الروسي لإنجاز عمل سينمائي جديد، لكنه يعترف بأن النجاح الكبير لفيلمه الأول وضعه أمام تحدٍ صعب. فبعد الفوز بأرفع جائزة سينمائية في العالم، يدرك أن أي فيلم جديد سيخضع لمقارنات مباشرة مع العمل الذي أوصله إلى العالمية، وهو ما يصفه بأنه مفارقة مهنية معقدة، تجمع بين النجاح الكبير والضغط المستمر لإثبات القدرة على تكراره.
اقرأ المزيد
استخبارات لاتفيا تحذر: روسيا غير جاهزة لحرب تقليدية مع الناتو.. لكن عزلة بوتين قد تقود إلى خطأ خطير
حينما يصبح الحكم تعويضاً نفسياً.. ما الذي يجمع بين طفولة ترامب وبوتين وهتلر؟

