وطن-في خطوة وُصفت بأنها رسالة سياسية غير مباشرة إلى تركيا، أثار قرار الحكومة الإسرائيلية بقيادة حزب الليكود الاعتراف رسمياً بـ«الإبادة الأرمنية» رد فعل نادراً من أذربيجان، الحليف الوثيق لتل أبيب في منطقة القوقاز، وسط مخاوف من أن يفتح القرار باب توتر جديد بين إسرائيل وباكو، وأن ينعكس على حسابات إقليمية معقدة تشمل تركيا وغزة وسوريا.
وقالت صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية إن الحكومة الإسرائيلية اتخذت القرار يوم الأحد، في تحرك يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره موجهاً ضد أنقرة، في ظل التوتر الحاد بين تركيا وإسرائيل على خلفية الحرب في غزة وملفات إقليمية أخرى.
وأصدرت وزارة الخارجية الأذربيجانية بياناً رسمياً اعتبرت فيه أن القرار الإسرائيلي يشكل «مصدر قلق بالغ»، ووصفت الاعتراف بأنه «تشويه للحقائق التاريخية» و«اختزال لقضية تاريخية معقدة في قرار سياسي».
وأضافت الوزارة، بحسب ما أوردته صحيفة “ميدل إيست آي”، أن الخطوة الإسرائيلية جاءت «من دون أساس قانوني أو علمي رصين»، معتبرة أنها «غير مقبولة»، وداعية حكومة إسرائيل إلى إعادة النظر في موقفها.
وجاء في البيان الأذربيجاني أن «مثل هذه الإجراءات لا تسهم في المصالحة أو تعزيز التفاهم المتبادل، بل تعمّق الانقسامات القائمة وتُقوّض الجهود الرامية إلى تحقيق سلام واستقرار دائمين في المنطقة».
وتعد أذربيجان من أقرب الحلفاء الإقليميين لإسرائيل، إذ تربط الجانبين علاقات استراتيجية متشابكة في مجالي الطاقة والدفاع. فباكو تُعد من كبار موردي النفط إلى إسرائيل، في حين تبيع تل أبيب أسلحة متطورة للحكومة الأذربيجانية، وهو ما جعل رد الفعل الأذربيجاني على القرار الإسرائيلي لافتاً وغير مألوف في سياق العلاقات بين البلدين.
وكشفت صحيفة “ميدل إيست آي” أن أذربيجان لعبت في العام الماضي دوراً في محاولة تخفيف التوتر بين تركيا وإسرائيل، خاصة على خلفية الملفات السورية والحرب في غزة، وذلك من خلال استضافة محادثات بين الجانبين.
وتنظر أنقرة وباكو إلى علاقتهما باعتبارها تحالفاً استراتيجياً عميقاً، لا مجرد شراكة سياسية عابرة. وبموجب «إعلان شوشا» الموقع عام 2021، يلتزم كل طرف بدعم الآخر في حال تعرضه لهجوم من جهة أجنبية، وهو ما يفسر حساسية أذربيجان الشديدة تجاه أي موقف إسرائيلي قد يُقرأ على أنه استهداف سياسي لتركيا.
وبحسب الصحيفة، فإن تركيا وإسرائيل كانتا قد دعمتا أذربيجان خلال حرب ناغورنو كاراباخ الثانية عام 2020، والتي تمكنت خلالها باكو من استعادة مساحات واسعة كانت تحت سيطرة أرمينيا لسنوات طويلة.
وعلى الرغم من إعلان الحكومة الإسرائيلية موقفها، فإن القرار لا يزال من الناحية الإجرائية يمثل موقفاً حكومياً يحتاج إلى المرور عبر الكنيست قبل أن يتحول إلى موقف رسمي نهائي للدولة الإسرائيلية. وهذا التفصيل قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية ودبلوماسية من جانب أذربيجان لعرقلة تثبيت الاعتراف برلمانياً.
ونقلت “ميدل إيست آي” عن دنيا باسول، الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، قوله إن أذربيجان قد تسعى إلى الضغط على إسرائيل لمنع تمرير القرار في الكنيست. وأضاف أن من «المثير للاستغراب» أن يتجاهل الكنيست الإسرائيلي حساسية أذربيجان حيال هذه القضية، وأن يتعامل مع التحالف الأذربيجاني التركي وكأنه تحالف عادي.
وفي موقف منفصل، رأت تركيا أن القرار الإسرائيلي ليس سوى محاولة لصرف أنظار الرأي العام عن التطورات القضائية الدولية التي تواجهها تل أبيب، ولا سيما بعد إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين آخرين، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم في غزة.
كما تواجه إسرائيل إجراءات أمام محكمة العدل الدولية في قضية تتعلق باتهامات بالإبادة الجماعية، وهو ما يجعل التوقيت السياسي للقرار الإسرائيلي بشأن الإبادة الأرمنية موضع تساؤلات واسعة، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الدولية على حكومة نتنياهو بسبب الحرب في قطاع غزة.
وبينما تحاول إسرائيل توظيف القرار في سياق رسائلها السياسية تجاه تركيا، يبدو أن الخطوة فتحت جبهة حساسة مع أذربيجان، أحد أهم شركائها في الطاقة والأمن. ومع انتظار ما سيقرره الكنيست، تبقى تداعيات الاعتراف الإسرائيلي بـ«الإبادة الأرمنية» مرشحة للتوسع، ليس فقط في علاقات تل أبيب مع أنقرة، بل أيضاً في توازنات التحالفات داخل جنوب القوقاز.
اقرأ المزيد
ترامب بين الجوائز والحروب: مفارقة نوبل للسلام ودعم الإبادة في غزة
فضيحة الشجاعية مجدداً: كيف قتلت “عقيدة الإبادة” الإسرائيلية أسراها في قطاع غزة؟
إسرائيل تقتل 3 فلسطينيين في غزة خلال 24 ساعة وتعتقل صيادين قبالة شاطئ المدينة

