وطن-تستعد العاصمة التركية أنقرة لاستقبال قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» يومي 7 و8 يوليو، في حدث سيضع المدينة مجدداً تحت أنظار العالم. ورغم أن إسطنبول غالباً ما تخطف الأضواء سياحياً وثقافياً، فإن أنقرة تقدم وجهاً آخر لتركيا؛ مدينة تجمع بين التاريخ العميق، والمطاعم المتنوعة، والمتاحف، والمساحات الخضراء، والحياة الحضرية الهادئة التي لا يعرفها كثيرون.
وقال موقع «ميدل إيست آي» في تقرير أعده الصحفي راغب صويلو من أنقرة، إن العاصمة التركية لا تحظى بسمعة كبيرة حتى داخل تركيا نفسها، إذ ينظر إليها بعض سكان إسطنبول بوصفها مدينة «رمادية» و«بلا روح» في قلب الأناضول. لكن هذه الصورة، بحسب التقرير، لا تعكس كل ما في المدينة من مفاجآت، خصوصاً لمن يمنحها فرصة حقيقية بعيداً عن الانطباعات المسبقة.
وتشتهر أنقرة دولياً، قبل أي شيء، بأنها تحتضن ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، إلا أن المدينة تمتلك تاريخاً أقدم بكثير. فقد امتدت جذورها إلى الحيثيين القدماء، وكانت عبر قرون معروفة بصوف ماعزها الشهير، قبل أن تتحول في مرحلة لاحقة إلى مركز تجاري مهم في العهد الروماني.
وأضاف موقع «ميدل إيست آي» أن العثمانيين لم يولوا أنقرة اهتماماً كبيراً مقارنة بمدن أخرى، خصوصاً بعد تراجع تجارة الصوف التي اشتهرت بها المدينة. وتروي إحدى الحكايات التاريخية أن أوروبيين تمكنوا في القرن التاسع عشر من تهريب بعض ماعز أنقرة إلى جنوب أفريقيا والولايات المتحدة، ما ساهم لاحقاً في إضعاف تلك الصناعة التي كانت مصدر شهرتها.
لكن التحول الأكبر جاء مع أتاتورك، الذي رأى في أنقرة مشروع عاصمة حديثة للجمهورية الجديدة. ففي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، أُنشئت المدارس والمسارح والجادات الواسعة والوزارات والحدائق العامة، ولا تزال آثار تلك المرحلة حاضرة في ملامح المدينة حتى اليوم.
أين تأكل في أنقرة؟ مطاعم العاصمة التركية بين الكباب والمقبلات والأسماك
وبحسب ما أورده موقع «ميدل إيست آي»، فإن أول ما يبحث عنه زائر تركيا عادة هو الكباب. وفي أنقرة، تنتشر مطاعم الكباب في كل زاوية تقريباً، وكثير منها يحمل اسم «أسبافا»، وهي مطاعم شعبية بأسعار معقولة وتقدم عادة إضافات مجانية متنوعة. غير أن التقرير يشير إلى أن كثيراً منها لا يقدم بالضرورة تجربة طعام عالية الجودة، إذ تميل بعض هذه المطاعم إلى الأطباق الدسمة والغنية بالملح.
في منطقة تشوكورامبار، حيث يقع فندق «جي دبليو ماريوت» وعدد من الفنادق القريبة، يجد الزائر خيارات جيدة. ومن أبرزها مطعم «مسلم كباب»، الذي يعد من الأماكن المفضلة لدى سياسيين ومحافظين وبيروقراطيين في أنقرة. ورغم أن أسعاره مرتفعة نسبياً، فإنه يشتهر بتقديم كباب أضنة بجودة عالية، إلى جانب طبق «كوشلمة»، وهو من أكثر قطع لحم الضأن طراوة. وبجوار المطعم يمكن تجربة البقلاوة لدى «سيتكي أوستا»، ومنها نوع مبتكر يعرف باسم «البقلاوة الرطبة».
وكشفت الصحيفة أن مطعم «بيرام أوستا يابراك كباب» يمثل خياراً مختلفاً لمن يرغب في تجربة طبق لحم مميز، إذ يشتهر بالكباب المتبل والمقطع شرائح رقيقة والمطهو على النار. كما يبرز مطعم «تاكا»، وهو مطعم يقدم أطباقاً من منطقة البحر الأسود، بينها الدونر، والفاصوليا التقليدية، والـ«بيده» التركية، إضافة إلى يخنة سمك القاروص. ويقع المطعم قرب مقر حزب العدالة والتنمية الحاكم، لذلك يرتاده كثير من كبار البيروقراطيين.
ولمحبي الـ«بيده»، وهي فطيرة تركية تشبه الخبز المسطح المحشو، يوصي التقرير بتجربة مطعم «نيازي كسيم»، الذي يقدم أطباقاً مستوحاة من مطبخ البحر الأسود. أما من يريد تجربة «المانتي» على طريقة قيصري، وهي زلابية تركية صغيرة محشوة باللحم وتقدم عادة مع الزبادي والصلصة، فيمكنه زيارة «1071 مانتي تشوكورامبار»، على بعد نحو 10 دقائق سيراً من فندق ماريوت.
تونالي.. قلب المطاعم والحياة الاجتماعية في أنقرة
في منطقة تونالي، حيث تقع فنادق مثل «غراند أنقرة» و«شيراتون» و«هيلتون»، تبدو الخيارات أوسع. وقال موقع «ميدل إيست آي» إن هذه المنطقة توفر تجارب متنوعة تتجاوز الكباب، خصوصاً لمحبي «المزة» التركية، وهي أطباق صغيرة تشبه المقبلات وتجمع بين الخضراوات والمأكولات البحرية واللحوم.
وترتبط المزة في الثقافة التركية غالباً بمشروب «الراكي»، الذي يعتبره كثيرون المشروب الوطني التركي، رغم أن الرئيس رجب طيب أردوغان يرفض هذا الوصف، مفضلاً اعتبار «العيران»، وهو مشروب الزبادي، المشروب الوطني لتركيا. وبين الراكي والمزة تتشكل تجربة «الميخانه»، أي الحانة التركية التقليدية.
ويعد مطعم «أفيتاب تونس» من أبرز أماكن تجربة الميخانه في أنقرة، حيث يقدم عشرات أنواع المزة المحضرة من البسطرمة والباذنجان والزبادي والروبيان وغيرها. كما يشير التقرير إلى مطعم «إنجير» كخيار جيد، بينما يوفر «إيجه ريستوران» تجربة أقل تكلفة وبخيارات أقل، مع إمكانية الجلوس في الهواء الطلق خلال المساء.
مطاعم السمك في مدينة بلا بحر
وعلى الرغم من أن أنقرة ليست مدينة ساحلية، فإنها تضم، بحسب «ميدل إيست آي»، بعضاً من أفضل مطاعم الأسماك في تركيا. والسبب بسيط: تصل الأسماك والمأكولات البحرية إلى العاصمة من أقرب ثلاثة بحار إليها، وهي البحر الأسود، وبحر مرمرة، وبحر إيجه، ما يتيح للمدينة الحصول على أسماك طازجة باستمرار.
ويأتي مطعم «تريليه» في مقدمة هذه الخيارات، خصوصاً لمن لا يمانع الصعود إلى منطقة مرتفعة. ويشتهر المطعم بتقديم سمك «كالكان» القادم من البحر الأسود، وهو نوع قريب من الترس لكنه يختلف عنه، إضافة إلى مقبلات ساخنة متنوعة. كما يذكر التقرير مطاعم أخرى جيدة مثل «شيف بروس»، و«يلكن باليك»، و«ديلي ينغيتش».
أما الباحثون عن الكباب في تونالي، فيمكنهم التوجه إلى «ماسا باشي كبابجيسي»، الذي يصفه التقرير بأنه خيار جيد. ولعشاق الدونر، يبرز مطعم «مطلو لوكانتاسي» في شارع غوفنليك، حيث يقدم أحد أفضل أطباق دونر أنقرة. وبالقرب من برج «أتاكوله»، يقدم «تشانكايا لوكانتاسي» تجربة مميزة، وهو مطعم أسسه طاهٍ سابق عمل في رئاسة الجمهورية التركية خلال عهد عصمت إينونو.
البيتزا والكوكورتش والفطور.. خيارات عصرية في العاصمة التركية
ولا تقف تجربة الطعام في أنقرة عند المطبخ التركي التقليدي. فقد أشار موقع «ميدل إيست آي» إلى أن المدينة تضم مطاعم بيتزا تضاهي في مستواها مطاعم أوروبية معروفة. ومن بين هذه الخيارات «ستوديو بيتزا»، حيث تُحضّر البيتزا بمكونات محلية، ويقف وراءه الشيف مراد أرتوكماج، المعروف في عالم الطهي التركي. كما يقدم مطعم «أونيكا» في شارع شيمشك بيتزا مقرمشة جيدة، إلى جانب طبق حمص يستحق التجربة.
أما طبق «الكوكورتش»، وهو أمعاء ضأن مشوية يعود تاريخه إلى العصر البيزنطي، فيعد من الأطباق الشعبية المرتبطة غالباً بساعات الليل المتأخرة أو ما بعد السهر. ويذكر التقرير أن مطعم «كيتير» قرب حديقة «كوغولو» من الأماكن القليلة في تركيا التي يمكن فيها تناول الكوكورتش الدسم مع البيرة.
ولمن يبحث عن فطور جيد في أنقرة، يوصي التقرير بمخبز «فينا» في شارع جينّاح، ومخبز «كاكوله» في شارع بوكلوم، وهما من الأماكن التي جرى اختبارها وتقديمها كخيارات موثوقة.
«إسات هال».. وجه أنقرة العصري الجديد
وبعيداً عن الطعام التقليدي، بدأت أنقرة تقدم مساحات حضرية حديثة تعكس تحولات المدينة. وبحسب ما أوردته «ميدل إيست آي»، فإن منطقة السوق المجددة قرب تونالي، المعروفة باسم «إسات هال»، أصبحت مركزاً رائجاً يضم مطاعم ومقاهي ومتاجر بوتيك ومبادرات مدنية.
في هذه المنطقة، يبرز مطعم «بوشيه» لعشاق الطعام المريح والسندويتشات التركية العصرية المستوحاة من نكهات مدينة قارص، مع خيارات غنية بالجبن واللحم. ويشير التقرير إلى أن طبق «السوتلاش»، أو بودينغ الأرز التركي، من أفضل ما يقدمه المطعم.
أما لمحبي البرغر، فيعتبر «ذا لوغ برغر» من أفضل الخيارات في أنقرة، إن لم يكن الأفضل، بحسب التقرير. وفي مجال المطبخ التركي الحديث، افتتح الشيف المعروف تولغار ميرلي مطعمه الجديد «هالدن»، الذي يقدم قائمة واسعة، من أبرزها سيفيتشي القاروص، والدجاج نصف المطهو، وبرغر «كافيه دو باري»، وموس الشوكولاتة.
وللقهوة بعد الطعام، يمكن زيارة «كاكوله كوفي» بتصميمه الداخلي العصري، أو «أميليز غاردن» المجاور. كما يقدم متجر «سول كيتشن» تجربة مختلفة تجمع بين الملابس والهدايا الصغيرة وبعض المنتجات المستقلة، إضافة إلى بيتزا وتيراميسو جيدين.
ماذا ترى في أنقرة؟ الحدائق والمتاحف وأتاكوله
ومع اقتراب قمة الناتو، أشار موقع «ميدل إيست آي» إلى جدل طريف يدور حول المكان الذي قد يختاره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لممارسة الجري الصباحي في أنقرة. فالمدينة، على عكس صورتها النمطية، تضم عدداً كبيراً من الحدائق والمسارات الخضراء.
وتوفر حدائق مثل «بوتانيك بارك»، و«بورتاكال تشيتشيغي باركي»، و«سيغمنلر باركي» مسارات خضراء لكنها جبلية نسبياً، ما يجعلها مناسبة للمشي والجري لمن يفضلون الطرق الصاعدة والهابطة. أما «ديكمن فاديسي»، وهو وادٍ صناعي، فيقدم مشهداً جميلاً داخل المدينة، بينما تعد حديقة «كورتولوش» خياراً مسطحاً تماماً. وقد تكون «غنتشليك باركي»، التي شُيدت بأمر من أتاتورك نفسه، الخيار الأفضل لمن يبحث عن مساحة واسعة وتاريخية.
ولا يمكن زيارة أنقرة من دون المرور على برج «أتاكوله»، أحد أشهر معالم المدينة، حيث يوفر إطلالة واسعة على مركز العاصمة التركية. ويعد البرج محطة مثالية لفهم الامتداد العمراني لأنقرة وموقعها بين التلال.
وتضم المدينة أيضاً عدداً مهماً من المتاحف. ويأتي «متحف حضارات الأناضول» في مقدمة الأماكن التي ينصح التقرير بزيارتها، فهو متحف حائز جوائز ويضم قطعاً أثرية تعود إلى عصور قديمة متعددة. كما يستحق «متحف أنقرة للفنون والنحت» و«متحف رحمي م. كوتش» الزيارة، بينما يعد «سير مودرن» وجهة مناسبة لمحبي الفن المعاصر.
ولفهم مرحلة الجمهورية التركية المبكرة، يمكن زيارة «متحف إيش بنكاسي»، الموجود داخل مبنى مزخرف بعناية. وإذا توفر الوقت، يمكن التوجه إلى منطقة أولوس لزيارة أطلال معبد أغسطس، وضريح حاجي بيرم ولي القريب.
وختم موقع «ميدل إيست آي» توصياته بالإشارة إلى «عمود يوليان»، الذي أُقيم بمناسبة زيارة الإمبراطور الروماني يوليان إلى أنقرة عام 362، في تذكير بأن العاصمة التركية ليست مجرد مدينة إدارية حديثة، بل طبقات متراكمة من التاريخ الروماني والأناضولي والجمهوري.
وبين مطاعم أنقرة، وحدائقها، ومتاحفها، ومعالمها التاريخية، تبدو العاصمة التركية مقبلة على فرصة نادرة لتقديم نفسها للعالم خلال قمة الناتو، ليس فقط كمركز سياسي، بل كمدينة قادرة على مفاجأة زوارها بعيداً عن ظل إسطنبول الطويل.
قد يعجبك
من “جار مزعج” إلى “خطر وجودي”.. زلزال التحالفات يعيد تشكيل النظرة الإسرائيلية لتركيا
بعد حرب إيران.. أنقرة تعزز موقعها في الناتو وتقتنص عقوداً خليجية بمليارات الدولارات
أوروبا تستعد للأسوأ.. ماذا يعني حضور ترامب قمة أنقرة لمستقبل الوجود العسكري الأمريكي؟

