وطن – دخل الخلاف السعودي – الإماراتي مرحلة غير مسبوقة، بعدما صعّدت وسائل الإعلام السعودية الرسمية هجماتها العلنية ضد أبوظبي، في مشهد يكشف عمق القطيعة بين الحليفين السابقين، ويعيد إلى الذاكرة أجواء أزمات الخليج الكبرى.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فقد بثّت قناة الإخبارية السعودية في الأيام الأخيرة تقارير تتهم الإمارات بانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن، وبتمويل حملات انفصالية تستهدف المصالح السعودية، فيما تداولت حسابات موالية للحكومة السعودية مقترحات بإغلاق المجال الجوي والحدود البرية مع الإمارات.
تصعيدٌ إعلاميٌ غير مألوف بين دولتين طالما حافظتا على أعراف خليجية صارمة في إدارة الخلافات بعيدًا عن العلن.
سجون سرية.. واتهامات تتجاوز الخطوط الحمراء
وأشار التقرير إلى أن القناة السعودية عرضت مشاهد قالت إنها سجون سرية تديرها الإمارات في محافظة حضرموت، تُظهر زنازين ضيقة خلف أبواب معدنية سوداء.
وجاء ذلك بعد يوم واحد من اتهام محافظ حضرموت سالم الخنبشي أبوظبي بإدارة مواقع احتجاز غير قانونية.
الإمارات سارعت إلى النفي، مؤكدة أن تلك المنشآت ليست سجونًا، بل “مساكن عسكرية وغرف عمليات وملاجئ محصّنة”، وفق بيان رسمي لوزارة الدفاع الإماراتية.
لكن نشر هذه الاتهامات على شاشات رسمية سعودية كسر واحدًا من أكثر المحرّمات السياسية في الخليج: الهجوم العلني بين العائلات الحاكمة.
اليمن… الشرارة التي أعادت إشعال الخلاف
تعود جذور الأزمة الأخيرة، وفق فايننشال تايمز، إلى ديسمبر الماضي، حين شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات هجومًا للسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة المحاذيتين للحدود السعودية.
الرياض اعتبرت التقدم العسكري للمجلس تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، واتهمت أبوظبي بالموافقة على الهجوم.
ورغم أن انسحاب الإمارات لاحقًا من بعض مواقعها في اليمن بدا وكأنه يخفف التوتر، إلا أن تجدّد الهجوم الإعلامي يؤكد أن الخلاف أعمق من مجرد ترتيبات ميدانية.
تحالف واحد… وأجندتان متنافستان
السعودية والإمارات دخلتا حرب اليمن عام 2015 ضمن تحالف واحد ضد الحوثيين المدعومين من إيران.
لكن كل طرف دعم فصائل مختلفة داخل المعسكر نفسه، ما خلق تحالفًا هشًا بجبهات متنافسة.
وفي تصريح لافت، قال الصحافي السعودي جاسر الجاسر على قناة العربية إن الإمارات “خانَت الشراكة مع المملكة في اليمن”، مقارنًا بين أبوظبي مركز القرار السياسي، ودبي مركز الاقتصاد، في إشارة إلى تصدع داخلي إماراتي تُلمّح إليه بعض المنابر السعودية.
صراع رؤيتين للمنطقة
المحلل السعودي سلمان العقيلي كتب على منصة “إكس” أن الخلاف مع الإمارات ليس صراع هيمنة، بل خلاف حول إدارة أزمات الشرق الأوسط:
- السعودية تراهن على إعادة بناء الدولة الوطنية المركزية
- الإمارات تعتمد شبكات نفوذ ووكلاء محليين حتى لو جاء ذلك على حساب نموذج الدولة التقليدية
قراءة تعكس جوهر الصراع:
دولة مركزية مقابل نفوذ شبكي عابر للحدود.
رد إماراتي… لكن عبر السوشيال
في المقابل، بدت وسائل الإعلام الإماراتية الرسمية أكثر تحفظًا.
غير أن مؤثرين إماراتيين ردّوا بقوة على منصات التواصل، حيث سخر الشاعر هادي المنصوري من الحملة السعودية، واصفًا المنشورات المعادية للإمارات بأنها “قطيع جاهز للنسخ واللصق يتلقى تعليماته من مصدر واحد”.
اتهام صريح بأن الرياض تقود حملة إعلامية منسّقة ضد أبوظبي.
خلاصة المشهد
ما يجري اليوم ليس خلافًا عابرًا بين حليفين، بل تحوّل استراتيجي في ميزان الخليج.
فحين تنتقل المعركة من الغرف المغلقة إلى شاشات التلفزة، فهذا يعني أن سكاكين السياسة خرجت من أغمادها.











