وطن-في وقتٍ كانت فيه الإدارة الأميركية تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب تحتفي بما وصفته بـ”الانتصار العسكري الحاسم” إثر العملية التي أطاحت بالزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، بدأت مشهدية الأحداث السياسية والداخلية في الولايات المتحدة تتبدّل سريعًا، لتضع البيت الأبيض أمام عواصف متزامنة من الجدل والاعتراضات.
ففي غضون أسابيع قليلة، واجهت أجندة ترامب الاقتصادية والخارجية والداخلية اختبارات صعبة، كان أبرزها الغضب الشعبي في ولاية مينيسوتا على خلفية حادثة إطلاق نار مميت نفذها عناصر فيدراليون، وهي الحادثة الثانية خلال الشهر نفسه. وتصاعد الغضب العام حتى وصف بعض المحللين اللحظة بأنها “تحوّل تاريخي في المزاج الأميركي”، وفق ما قاله الباحث السياسي لي دْرَتْمَن من مؤسسة “نيو أميركا”.
توتر داخلي وغليان شعبي
تصاعد الغضب بعد سلسلة من المداهمات نفذتها فرق الهجرة الفيدرالية استهدفت مهاجرين في الولاية، وسط اتهامات بتجاوزات شملت اعتقال مواطنين أميركيين واقتحام منازل من دون أوامر قضائية. وفي وقتٍ أكدت الإدارة أنّ أحد الضحايا هدد عناصرها، أظهرت مقاطع مصوّرة خلاف ذلك، ما أشعل موجة احتجاجات ودعوات للمساءلة.
من جهة أخرى، أصبح الضحية أليكس بريتي، وهو ممرض في مستشفى للمحاربين القدامى، رمزًا لغضبٍ عام دفع حُكام ولايات، من الحزبين، إلى المطالبة بوقف العمليات. وقال حاكم أوكلاهوما الجمهوري، كيفن ستيت، إنّ “المواطنين يشعرون بقلق عميق من أساليب إنفاذ القانون الفيدرالية”، فيما دعا حاكم فيرمونت الجمهوري، فيل سكوت، إلى “تجميد عمليات الهجرة مؤقتًا” وإعادة توجيهها نحو المجرمين الفعليين. وأكد سكوت أنّ “قتل مواطنين على أيدي عملاء فيدراليين ليس مقبولاً تحت أي مبرر، وأن ما يجري يمثل فشلًا خطيرًا في القيادة والتدريب والتنسيق”.
إزاء هذا الضغط، أعلن ترامب أنّ إدارته ستراجع تفاصيل الحادث، وفتح الباب أمام احتمال سحب عناصر الهجرة من مينيسوتا. وجاء ذلك بعد أن بدأ بعض المشرعين الجمهوريين، الذين لطالما دعموا الرئيس، بالتعبير عن قلقهم من المسار الأمني المتشدد.
ارتباك اقتصادي وصدام مؤسساتي
ترافق الغضب الداخلي مع مواجهات جديدة بين البيت الأبيض ومؤسسات الدولة. فقبل أسبوعين، نشر رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول مقطعًا مصورًا أعلن فيه أنه يخضع لتحقيق جنائي من وزارة العدل بشأن مشروع تجديد مقر البنك المركزي. التحقيق فتح باب مواجهة جديدة بين باول وترامب، الذي طالما طالب بخفض أسعار الفائدة، متهماً «الفيدرالي» بإبطاء النمو.
وفيما سارع مشرعون من الحزبين إلى الدفاع عن استقلالية البنك المركزي، هدد السيناتور الجمهوري توم تيليس بعرقلة أي ترشيحات إلى مجلس الاحتياطي، بما في ذلك تعيين بديل لباول، قبل انتهاء التحقيق. هذا التباين داخل الحزب الجمهوري أظهر تصدّعًا نادرًا في صف الدعم للرئيس، رغم استمرار ترامب بالترويج لإنجازاته الخارجية.
ملفات خارجية ملتهبة
على الصعيد الدولي، حاول ترامب البناء على نجاح العملية العسكرية في فنزويلا، متحدثًا بثقة عن “قدرة أميركا على فرض إرادتها” في الخارج، ومهددًا إيران بينما أعلن دعمه للمتظاهرين هناك. إلا أن اندفاعه قاده هذه المرة إلى أزمة جديدة حول جزيرة غرينلاند، بعد أن أعاد طرح فكرة ضمّها إلى الولايات المتحدة.
وأثار ذلك حفيظة الحلفاء الأوروبيين الذين أرسلوا قوات إلى الجزيرة في خطوة رمزية لحماية سيادتها ضمن إطار حلف شمال الأطلسي “الناتو”. واعتبر ترامب الخطوة تحديًا مباشراً له، فلوّح بفرض رسوم جمركية على دول “الناتو” ما لم تدعم مساعيه. التصعيد المفاجئ وضع التحالف الأطلسي أمام أخطر اختبار منذ تأسيسه، إذ لمّح الرئيس إلى أنه لا يستبعد الخيار العسكري.
وفي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، تجددت الجهود الدبلوماسية المكثفة لتهدئة الأزمة. وتمسك القادة الأوروبيون وكندا بموقفهم الداعي إلى حماية سيادة غرينلاند. وبعد أيام، أعلن ترامب تراجعه عن فرض الرسوم، مشيرًا إلى التوصل إلى “إطار اتفاق” يمنح الولايات المتحدة حق الوصول الكامل إلى الجزيرة ومواقعها العسكرية، مع استمرار المفاوضات حول بعض مناطق السيادة.
دوامة سياسة وأمن واقتصاد
رغم أن نجاح العملية الفنزويلية منح ترامب دفعة معنوية، إلا أن تراكم الأزمات الداخلية كشف هشاشة الغطاء السياسي الذي كان يتمتع به مطلع العام. وفي وقتٍ ما زال الجمهوريون يدعمون سياساته التجارية، برزت تباينات واضحة مع اقتراب انتخابات نوفمبر، خاصة في ظل تصاعد الغلاء المعيشي وتأخر وزارة العدل في نشر الملفات المرتبطة بقضية جيفري إبستين رغم تصويت الكونغرس شبه الإجماعي على كشفها.
تجد إدارة ترامب نفسها اليوم في مفترق طرق حاد: بين طموحات خارجية واسعة وصدامات داخلية تهدد ثقة المواطن الأميركي. الحوادث الدامية في مينيسوتا، والتحقيقات حول الاحتياطي الفيدرالي، والتوتر داخل “الناتو” كلها مؤشرات على لحظة سياسية دقيقة تعيشها واشنطن. غير أنّ رسائل الغضب الشعبي من الشمال الأميركي حتى أروقة الكونغرس توحي بأن إدارة الأزمات اليوم لم تعد خيارًا آنياً، بل اختبارًا حقيقيًا لمستقبل القيادة الأميركية وقدرتها على التوازن بين الأمن والعدالة والسيادة.
اقرأ المزيد
ما هي ‘لجنة السلام’ التي أطلقها ترامب؟ وهل تكون البديل الأمريكي لمنظمة الأمم المتحدة؟
بوليتيكو: ترامب يضمن ولاية ثالثة… حتى لو غادر البيت الأبيض











