وطن – في أول ردّ دولي عملي يضرب مصالح “موانئ دبي العالمية” بعد تسريبات وثائق جيفري إبستين، أعلن صندوق الإيداع والاستثمار في كيبيك – ثاني أكبر صندوق تقاعد في كندا – أنه قرر تجميد أي شراكات جديدة مع الشركة الإماراتية العملاقة، بسبب ما كشفته وثائق رسمية من مراسلات طويلة ومريبة بين رئيسها التنفيذي سلطان أحمد بن سليم وبين المجرم المدان في قضايا الاستغلال الجنسي جيفري إبستين.
وبحسب ما نقلته صحيفة “ذا غازيت” الكندية، فإن صندوق التقاعد الكندي قال يوم الثلاثاء إنه يعلّق التعاون الجديد مع “موانئ دبي العالمية”، في خطوة اعتبرها مراقبون صفعة مالية وأخلاقية للإمارات وشركاتها السيادية، بعدما تبيّن أن العلاقة بين سلطان بن سليم وإبستين لم تكن عابرة ولا عرضية، بل امتدت لسنوات طويلة وتضمنت إشارات إلى لقاءات ذات طابع جنسي.
“نريد الحقيقة كاملة”… كندا تضع دبي في زاوية الاتهام
المتحدث باسم صندوق كيبيك قال لـذا غازيت إن المؤسسة بدأت الآن البحث عن إجابات واضحة من الشركة، مشددًا على أن الصندوق يتوقع من “موانئ دبي العالمية” أن تكشف كل التفاصيل، وأن تتخذ إجراءات حقيقية بحق رئيسها التنفيذي إذا ثبت تورطه أو إساءته.
وأضاف المتحدث بلهجة صارمة:
“لقد أوضحنا للشركة أننا نتوقع منها كشف الحقيقة كاملة واتخاذ الإجراءات اللازمة. وحتى ذلك الحين، سنوقف ضخ أي رأس مال إضافي إلى جانب الشركة.”
هذه الرسالة ليست مجرد تعليق تعاون مالي، بل إعلان سياسي مبطن: إن فضيحة إبستين لم تعد شأنًا أمريكيًا داخليًا، بل تحولت إلى ملف دولي يلاحق شركاءه أينما كانوا.
6 مليارات دولار في مهب الريح… أحد أكبر شركاء “موانئ دبي” يتراجع
الخطير في قرار الصندوق الكندي أن كيبيك ليس مستثمرًا صغيرًا أو هامشيًا، بل هو أحد أعمدة الاستثمار العالمي في مشاريع الموانئ والنقل، ويمتلك – وفق التقرير – ما لا يقل عن 6 مليارات دولار في مشاريع مشتركة تُدار بواسطة “موانئ دبي العالمية”، ما يجعله من أكبر شركاء الشركة في العالم.
وتجميد الشراكات الجديدة لا يعني سحب الاستثمارات فورًا، لكنه يعني عمليًا:
- وقف أي توسع مستقبلي
- وقف أي ضخ رأسمال إضافي
- فتح باب مراجعة العلاقة برمتها
- وبدء عملية تحقيق داخلي قد تتوسع لاحقًا إلى إجراءات مالية أكبر
وهذه الخطوة تحمل دلالة خطيرة: المستثمرون الكبار لا يقطعون علاقاتهم إلا عندما يصبح استمرار العلاقة عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا وسمعةً محرجة أمام الرأي العام.
الوثائق الأمريكية تكشف: علاقة استمرت أكثر من عقد بعد إدانة إبستين
وبحسب ما أوردته ذا غازيت، جاء قرار صندوق كيبيك عقب نشر وزارة العدل الأمريكية دفعة ضخمة من الوثائق المرتبطة بإبستين، بلغت قرابة ثلاثة ملايين ملف، وهي وثائق كشفت أن سلطان بن سليم ظل يتواصل مع إبستين لأكثر من عشر سنوات بعد إدانته الرسمية عام 2008.
إبستين كان قد أُدين بتهم تتضمن استغلال قاصر لأغراض الدعارة، ومع ذلك فإن الوثائق تُظهر أن التواصل لم يتوقف، بل استمر وتضمن مراسلات توحي بعلاقة غير بريئة، وبعضها – كما تشير الصحيفة – تضمن تلميحات إلى لقاءات ذات طابع جنسي.
وهنا تكمن الصدمة:
التواصل لم يحدث قبل الفضيحة… بل بعد الإدانة.
أي بعد أن أصبح إبستين رسميًا مجرمًا جنسيًا مدانًا، ومسجّلًا في سجلات الجرائم.
سلطان بن سليم: الرجل الذي يدير أكثر من 60 ميناء في العالم
التقرير يذكّر بأن سلطان أحمد بن سليم ليس مجرد رجل أعمال، بل هو أحد أهم رجال السلطة الاقتصادية في الإمارات.
فقد تولى رئاسة “موانئ دبي العالمية” عام 2007، ثم تم تعيينه رئيسًا للمجموعة والرئيس التنفيذي في 2016، وهو اليوم يشرف على شبكة عالمية ضخمة تضم أكثر من:
- 60 ميناء ومحطة
- في نحو 40 دولة
وبحسب ما نقلته الصحيفة الكندية، بلغت إيرادات الشركة قرابة 20 مليار دولار العام الماضي.
وهذا يعني أن الفضيحة لا تتعلق بسلوك شخصي فحسب، بل تمسّ شبكة اقتصادية دولية عملاقة، مرتبطة بالتجارة العالمية وسلاسل الإمداد والاستثمارات السيادية.
تداعيات أكبر من كندا… “السمعة” تبدأ في إسقاط الإمبراطوريات
قرار صندوق كيبيك قد يبدو للبعض خطوة محدودة، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أوسع:
حين تبدأ صناديق التقاعد السيادية الغربية – التي تمثل شعوبًا ومؤسسات رقابية وبرلمانات – بالتراجع عن شراكاتها، فهذا يعني أن الأزمة بدأت تتحول من “فضيحة وثائق” إلى أزمة ثقة دولية.
فالاستثمار السيادي ليس مجرد أرقام، بل سمعة.
والسمعة في الغرب ليست ترفًا… بل رأس مال سياسي وأخلاقي لا يقل أهمية عن المال نفسه.
ولهذا فإن ما حدث في كيبيك قد يكون الشرارة الأولى لسلسلة ردود فعل من مؤسسات أخرى، خصوصًا أن الوثائق الأمريكية لم تنته بعد، وما زالت دفعات جديدة تظهر تباعًا.
هل يتوقف الأمر هنا؟
بحسب ما تفهمه المؤسسات المالية الغربية، فإن المشكلة ليست فقط في الرسائل، بل في سؤال أكبر:
كيف يمكن لرئيس شركة عالمية بحجم “موانئ دبي العالمية” أن يحافظ على علاقة طويلة مع مجرم جنسي مدان دون أن تتأثر الثقة؟
السؤال الذي يلاحق دبي الآن ليس فقط:
“ماذا فعل سلطان بن سليم؟”
بل:
“من كان يعلم؟ ومن كان يغطي؟ ومن كان يضمن الصمت؟”
خلاصة المشهد: صفعة كندية… وفضيحة بدأت تلتهم شبكة دبي
وفق ما نشرته ذا غازيت الكندية، فإن تجميد صندوق كيبيك لشراكاته الجديدة مع “موانئ دبي العالمية” ليس مجرد قرار مالي، بل إعلان واضح بأن الشركات التي ترفع شعار “الاستثمار العالمي” لا يمكنها أن تواصل العمل في الظل، بينما تتورط قياداتها في علاقات مع شخص بحجم جيفري إبستين.
إنها بداية مرحلة جديدة:
مرحلة الحساب.
وحين يبدأ الحساب من صناديق التقاعد، فإن القادم عادة يكون أكبر… وأقسى.
اقرأ المزيد:












