وطن-في خضمّ توترات الشرق الأوسط المتصاعدة، وجدت الحكومة البريطانية نفسها وسط عاصفة سياسية تتجاوز حدود العلاقة الخاصة بين لندن وواشنطن. فقد أثار قرار رئيس الوزراء كير ستارمر بالسماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية البريطانية لاستهداف مواقع صاروخية داخل إيران انقسامًا حادًا في الساحة السياسية، داخليًا وخارجيًا على حدّ سواء.
تصاعد الانتقادات وتنامي الجدل في البرلمان
جاء الإعلان بعد خطاب ألقاه ستارمر من داونينغ ستريت مساء الأحد، أوضح فيه أنّ هدف الخطوة هو “منع الخطر الإيراني عبر تدمير الصواريخ عند مصدرها”، مؤكدًا أن الإذن الأمريكي “يقتصر على غرض دفاعي محدد”. غير أنّ هذا التبرير لم يهدّئ المخاوف داخل مجلس العموم. أحزاب المعارضة، بما في ذلك الديمقراطيون الأحرار وحزب الخضر، طالبت بعرض القرار للتصويت البرلماني الفوري، معتبرة أنه يمسّ الأمن القومي البريطاني ويُقحم البلاد في صراع إقليمي جديد من دون تفويض ديمقراطي واضح.
زعيم الديمقراطيين الأحرار إد ديفي حذّر من “انزلاق خطير نحو حرب طويلة في الشرق الأوسط”، مطالبًا الحكومة بأن “تعرض الأسس القانونية للقرار أمام النواب”. أما زعيم الخضر زاك بولانسكي، فاتهم ستارمر “بالعجز عن مقاومة ضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب”، مشيرًا إلى أن هذا التراجع “قد يهدد سلامة البريطانيين داخل البلاد وخارجها”.
ترامب: «شعرت بخيبة أمل كبيرة»
أما في واشنطن، فقد أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استياءه من تردد ستارمر، قائلاً إنه “شعر بخيبة أمل كبيرة من كير”، بعدما رفض مبدئيًا السماح باستخدام قاعدة “دييغو غارسيا” الواقعة في أرخبيل تشاغوس في المحيط الهندي كمنصة للهجمات. وأضاف ترامب أن رئيس الوزراء البريطاني “استغرق وقتًا أطول مما ينبغي لتغيير موقفه”، مشيرًا إلى أن “القلق من الجوانب القانونية هو ما عطّل القرار في البداية”.
موقف داخلي منقسم داخل حزب العمال
ردود الفعل الأشد جاءت من داخل حزب العمال نفسه. فالنائب جون مكدونل رأى أنّ استخدام القواعد البريطانية لتنفيذ ضربات عسكرية “يعبّر عن تدخل هجومي لا دفاعي”، وأنه “يدعم عمليًا هدف تغيير النظام في إيران” وفقًا لما أعلنه ترامب. أما النائب ريتشارد بيرغون فاعتبر القرار “انتهاكًا للقانون الدولي”، داعيًا الحكومة إلى التركيز على “التهدئة والدبلوماسية ووقف إطلاق النار بدل الانخراط في سياسة القصف”. وأكدت النائبة كيم جونسون أن “تسخير القواعد البريطانية لأعمال غير مشروعة خطوة قصيرة النظر تصبّ في مصلحة العدوان العسكري”.
زعيم المعارضة السابق جيريمي كوربن وصف قرار ستارمر بأنه “مخزٍ”، مضيفًا أن “بريطانيا تُجرّ إلى حرب جديدة لأن رئيس وزرائها اختار إرضاء ترامب على حساب احترام القانون الدولي”.
من اليمين: انتقاد للتردد لا للقرار
في المقابل، شنّت أحزاب اليمين المعارضة، وعلى رأسها حزب الإصلاح بزعامة نايجل فارج، هجومًا معاكسًا على ستارمر، متهمة إياه بالبطء في دعم الولايات المتحدة. وقال فارج إن تردده كان “تصرفًا مثيرًا للشفقة” قد يُضعف علاقة لندن بواشنطن بل ويهدد تماسك حلف شمال الأطلسي. وأعرب عن تأييده “للتدخل العسكري غير البري” داعيًا إلى مشاركة سلاح الجو والبحرية والاستخبارات البريطانية في العمليات، لكنه حذّر من “خطأ جسيم إن تم التفكير في إرسال قوات برية إلى إيران”، مؤكدًا أن القدرات الميدانية البريطانية “لا تسمح بعملية بهذا الحجم”.
من جانبها، اعتبرت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك أن ستارمر لم يمنح الضوء الأخضر إلا “بعد أن استهدفت الصواريخ الإيرانية حلفاء في الشرق الأوسط وقاعدة بريطانية في قبرص”، رغم أن الضربة بطائرة مسيّرة وقعت عقب إعلانه القرار بعدة ساعات. وربطت بادنوك بين تردّد الحكومة واستراتيجيتها الانتخابية، قائلة إن حزب العمال “يخشى فقدان دعم كتل تصويتية في المدن البريطانية تتأثر بمواقف الشرق الأوسط أكثر من المصلحة الوطنية”.
أبعاد إستراتيجية وتحذيرات أمنية
تتيح القاعدة المشتركة في دييغو غارسيا –التي تبعد نحو 5300 كيلومتر عن الأراضي الإيرانية– للطيران الأمريكي الوصول المباشر إلى أهداف في المنطقة. وتضم القاعدة أكثر من أربعة آلاف شخص، معظمهم من العسكريين الأمريكيين والمتعاقدين. في المقابل، تُذكّر تقارير استخباراتية بأن الطائرات المسيّرة الإيرانية من طراز “شاهد-136” قادرة على قطع هذه المسافة، ما يضع القاعدة تحت تهديد محتمل لأي تصعيد. كما تحتفظ بريطانيا بقواعد إضافية في قطر والإمارات وسلطنة عمان وقبرص.
بين القانون الدولي ومسؤولية القرار
الجدل البريطاني لا يدور حول جدوى التحالف مع الولايات المتحدة فحسب، بل حول التوازن بين الالتزامات الأمنية واحترام القانون الدولي. وبينما يرى البعض في قرار ستارمر محاولة لاحتواء تهديدات صاروخية مباشرة، يحذّر آخرون من أن انتهاج لغة القوة دون مسار دبلوماسي موازٍ قد يفتح الباب أمام حرب لا يريدها البريطانيون.
في ظل هذا الانقسام، تبدو الحكومة مطالبة بتوضيح رؤيتها للرأي العام، خاصة مع استمرار المخاوف من أن تتحول المشاركة العسكرية المحدودة إلى تورط أعمق في صراع إقليمي متعدد الأطراف. وبين الحسابات السياسية الداخلية وضغوط الحليف الأمريكي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا في لندن: كيف يمكن لبريطانيا أن تحمي أمنها القومي دون أن تفقد استقلال قرارها؟
اقرأ المزيد
بين ضغوط التصعيد وخيار الدبلوماسية.. لماذا تصر الرياض على الحوار مع طهران الآن؟
لندن تخرج عن صمتها: المشاركة في ضرب إيران باتت خياراً مطروحاً












