وطن-في لحظة يحتدم فيها التوتر وتختلط فيها الحقيقة بالدعاية، تشهد منطقة الخليج واحدة من أخطر مراحلها منذ عقود. فبين اندفاع سياسي من واشنطن وتشبث إيراني بالثبات، تتجه المواجهة نحو حرب لا يبدو أن لها نهاية قريبة، وسط فوضى إعلامية وارتباك دولي يطال أسواق الطاقة والسياسة على حد سواء.
خيوط الأزمة تتشابك
بدأت فصول التصعيد عندما أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضرب مواقع إيرانية، مؤكدًا أن هذه العمليات ستدفع الشعب الإيراني إلى “استعادة بلاده”. لكن الأحداث سارت في الاتجاه المعاكس تمامًا؛ إذ خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع لتشييع المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي وسط القصف، في مشهد أظهر وحدة وطنية غير مسبوقة منذ سنوات.
اغتيال خامنئي، الذي يُعد أول اغتيال لرأس دولة في التاريخ الحديث، كان، على ما يبدو، الحدث الذي أعاد تعبئة الداخل الإيراني بدل إضعافه. فقد وجد النظام في موته حافزًا لإظهار قوته وتجديد “روح الثورة”، بعد أن ظن خصومه أن اغتياله سيقضي عليها.
من الحذر إلى المواجهة
تميزت حقبة خامنئي بالحسابات الدقيقة في الردود العسكرية. فعلى الرغم من استهداف كبار القادة الإيرانيين وعلماء البرنامج النووي، نادرًا ما ردّت طهران بشكل مباشر. التزمت بسياستها بعدم ضرب جيرانها الخليجيين أو إغلاق مضيق هرمز، حتى في أوقات الأزمات. وكان ذلك نهجًا يوازن بين الواقعية السياسية والحفاظ على هيبة الدولة.
على النقيض، جاءت المرحلة الراهنة أكثر اندفاعًا. فبعد مرور عشرة أيام فقط على الهجوم الأمريكي‑الإسرائيلي، أغلقت إيران مضيق هرمز، وعلّقت إنتاج النفط والغاز في الساحل الشرقي للخليج، ما أحدث أزمة طاقة غير مسبوقة منذ أزمة عام 1973. توقف تدفق ما يقارب 20 مليون برميل يوميًا ـ أي مجموع جميع حالات الانقطاع النفطية خلال العقود الأربعة الماضية ـ جعل العالم بأسره يترقب انهيارًا اقتصاديًا متسارِع الإيقاع.
انقلاب في ميزان القوة
كشف الهجوم الذي صُمّم لإضعاف إيران، هشاشة منظومة الردع الغربية في الخليج. فقد تعرض نظام الإنذار المبكر في قطر، البالغة كلفته 1.1 مليار دولار، إلى تدمير شبه كامل، ما عطّل تشغيل بطاريات “باتريوت” و“ثاد” في المنطقة. كما انهالت الطائرات المسيّرة الإيرانية على مدن خليجية رئيسة من البحرين إلى دبي والدوحة والرياض، تاركة آثارًا اقتصادية مدمّرة وشللاً شبه تام في حركة الطيران.
وامتد نطاق المواجهات ليشمل أربع عشرة دولة، من قبرص إلى ثلاث قوى أوروبية هي بريطانيا وفرنسا والنرويج، التي تعرّضت قواعدها أو بعثاتها لهجمات. وفي حين تعثرت الولايات المتحدة في احتواء الموقف، وجدت الدول الخليجية نفسها لأول مرة تبحث عن دعم من شركات أمنية أجنبية لتأمين منشآتها النفطية والعسكرية.
انتقال السلطة في طهران
في مشهد يعكس تحديًا للضغوط الدولية، بايع قادة المؤسسات الإيرانية مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، زعيمًا جديدًا للبلاد. هذا القرار لم يكن مجرد انتقال وراثي للسلطة، بل رسالة سياسية تقول إن طهران لن ترضخ لإملاءات الخارج. مجتبى، البالغ من العمر 56 عامًا، يرتبط بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري، ويُقال إنه لعب أدوارًا رئيسة في توجيه السياسة الأمنية من وراء الكواليس خلال السنوات الماضية.
وبينما دعا ترامب علنًا الإيرانيين إلى عدم اختيار مجتبى، استقبلت الجماهير إعلان توليه القيادة باحتفالات حاشدة حتى ساعات الفجر، تعبيرًا عن تحدٍّ قومي يفوق الخلافات الأيديولوجية القديمة.
حرب تتجاوز الحدود
دخلت المنطقة مرحلة من الفوضى المتعددة الجبهات. فالحوثيون في اليمن يهددون بإغلاق مضيق باب المندب، ما ينذر بانقطاع طرق التجارة البحرية العالمية. أما الولايات المتحدة، فتواجه ضغوطًا متصاعدة مع تراجع شعبيات الرئيس ترامب واهتزاز أسواق المال، بينما تعلن فرنسا وبريطانيا حالة استنفار قصوى وتجهّزان سفنًا حربية دون خطط واضحة للعمليات.
وعلى الرغم من القصف اليومي المكثّف، لم تُشل قدرات إيران العسكرية؛ بل تمكنت من الرد بالمثل وإبراز قدرتها على الصمود. وأظهرت الأحداث أن “فقاعة الأمان” التي طالما أحاطت بدول الخليج وثرواتها ليست سوى وهم سرعان ما تبدّد عند أول اختبار حقيقي للحرب الشاملة.
أصوات من قلب الأزمة
في خضم هذه التحولات، عبّر المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، أحد أبرز وجوه الإصلاح الديني والمنفي عن بلاده منذ سنوات، عن موقف وطني لافت، داعيًا الشعب إلى دعم قواته المسلحة. وقال إن “هذه الغيمة السوداء ستمرّ، لكن عارها سيبقى على من وقفوا إلى جانب خونة الوطن، فاليوم لا حياد، لأن الحياد خيانة”. كلماته أعادت التأكيد على أن الحرب المتحدة ضد إيران جمعت أطيافًا فكرية كانت مختلفة في السابق.
صراع إرادات
تخوض الولايات المتحدة وإسرائيل حربًا تقول طهران إنها تستهدف كسر إرادتها الوطنية، فيما يرى المراقبون أن الهدف غير المعلن هو فرض واقع إقليمي جديد يُكرّس التفوق الإسرائيلي ويحدّ من نفوذ إيران. غير أن النتائج حتى الآن جاءت عكسية؛ إذ وحّدت الحرب الداخل الإيراني وأطلقت أزمة طاقة عالمية تهدد الاقتصادات الغربية نفسها.
يفتقر النزاع كما يصفه بعض المحللين العسكريين الغربيين، إلى أهداف واضحة أو جدول زمني لإنهائه، ما يجعله مفتوحًا على احتمالات يصعب ضبطها. وبينما يزداد الضغط على الأسواق، تتنامى المطالب السياسية في واشنطن بتحديد نهاية للتصعيد قبل أن يتجاوز قدرات الولايات المتحدة وحلفائها.
طريق الدم والنفط
يدفع الشرق الأوسط اليوم ثمن صراع تغذّيه نزعة الهيمنة من جهة وروح التحدي من جهة أخرى. ملايين البراميل من النفط تتبخر يوميًا، وأرواح المدنيين تُزهق تحت القصف، بينما يقف العالم عاجزًا أمام حرب تشتعل باسم “الردع” وتهدد بتوسيع نطاقها إلى أبعد من الخليج.
هكذا تحوّل الخلاف السياسي بين زعيمين ـ أحدهما تحرّكه النزعة الشخصية، والآخر تؤطره رؤية دينية متشددة ـ إلى مأساة تضع المنطقة، وربما العالم، على حافة انهيار شامل. وفي غياب مبادرة عقلانية لوقف النار، تبقى الشعوب وحدها من يدفع ثمن الغرور السياسي وحسابات القوة.
قد يعجبك
حقيقة المكالمة المسربة.. هل هدد ترامب بإشعال حرب لإخفاء “ملفات إبستين”؟
انتقادات داخلية في واشنطن لحرب ترامب ضد إيران: غياب الاستراتيجية والخطط الواضحة يثير القلق












