وطن-في خضم التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يبرز بُعد جديد في هذا الصراع يتجاوز ساحات القتال. فالتبريرات الصادرة عن قادة سياسيين وعسكريين في واشنطن وتل أبيب لم تعد تقوم فقط على المبررات الأمنية أو الاستراتيجية، بل تستند بشكل متزايد إلى نصوص دينية تُقدَّم بوصفها غطاءً “إلهيًا” للحرب. هذه اللغة تعيد إلى الذاكرة حقبًا تاريخية كانت فيها العقيدة أداة لتوسيع النفوذ والسيطرة، لكنها اليوم تعود بصياغة معاصرة تثير القلق.
حرب لها «رسالة سماوية»
في الولايات المتحدة، لم يخفِ عدد من المسؤولين الربط المباشر بين الدين والسياسة العسكرية. فقد وصف السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام المواجهة مع إيران بأنها «حرب دينية»، بينما قال زميله كيفن كرامر إن بلاده تتحمل «مسؤولية توراتية» تجاه إسرائيل. أما “مؤسسة حرية الدين في الجيش الأمريكي” فأكدت تلقيها مئات الشكاوى من وحدات عسكرية تحدث فيها قادة عن الحرب باعتبارها «جزءًا من خطة إلهية»، مشيرين إلى أن الرئيس دونالد ترامب «اختير من المسيح» لقيادتها وصولاً إلى «نهاية الزمان».
تلك التصريحات، وإن لم تصدر عن واضعي السياسات بشكل مباشر، فإنها تسهم في تشكيل مناخ سياسي يُقدِّس القوة ويُسوِّغ العنف باسم الإيمان. وقد لعب بعض هؤلاء المسؤولين دورًا مؤثرًا في دفع الإدارة الأمريكية نحو خيار الحرب، في سابقة تثير أسئلة حول تموضع الدين في قرارات تمس الأمن العالمي.
من «الحملة الصليبية الجديدة» إلى العقيدة العسكرية
وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسِث، الذي لا يخفي ميوله الإنجيلية المتشددة، عبّر صراحة عن أن صلواته ترافق قرارات الحرب «طلبًا للحكمة التوراتية»، كما سبق أن دعا في كتاب أصدره عام 2020 إلى «حملة صليبية أمريكية» لمواجهة ما وصفه بـ«النفوذ الإسلامي». خلال خطاب ألقاه في القدس عام 2018، ذهب أبعد من ذلك حين تحدث عن ضرورة بناء «الهيكل اليهودي» في موقع المسجد الأقصى، معتبرًا أن ذلك «معجزة كتابية» ينبغي تحقيقها.
هيغسِث ليس استثناءً؛ فداخل البيت الأبيض تحيط بترامب شخصيات دينية مثيرة للجدل، مثل القس جون هيغي، مؤسس منظمة «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل»، والمستشارة الروحية باولا وايت، وكلاهما يستخدم خطابًا لاهوتيًا لتبرير السياسات الإسرائيلية في المنطقة. وقد شهد الأسبوع نفسه الذي اندلعت فيه الحرب اجتماعًا في المكتب البيضاوي جمع ترامب بعدد من القساوسة الذين وضعوا أيديهم على كتفيه وصلّوا من أجله «كي يقوده الرب في قراراته».
«حدود توراتية» تتجاوز الجغرافيا
في إسرائيل، يستحضر كبار القادة بدورهم النصوص التوراتية لتبرير التوسع العسكري والجغرافي. فقد عرض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2023، خريطة لـ«الشرق الأوسط الجديد» تُظهر حدودًا إسرائيلية موسعة، مؤكداً لاحقًا أنه يستلهم «رؤية إسرائيل الكبرى» الممتدة من العراق إلى مصر.
وزراء مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش يطرحون الخطاب ذاته، معتبرين أن «التوراة تحدد بوضوح أرض إسرائيل». اللافت أن هذا المنطق لا يقتصر على اليمين المتطرف؛ فزعيم المعارضة يائير لابيد، وهو من تيار وسطي، صرّح مطلع العام بأن «الحدود التوراتية مسألة لا خلاف عليها».
الخطاب نفسه يجد صداه في الدوائر الأمريكية، حيث أعلن السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي أن «لا مانع إن أخذت إسرائيل كل أرض الشرق الأوسط». حتى هذا التصور التوراتي لم يستبقِ بعدًا روحانيًا، إذ ربطه نتنياهو مؤخرًا بعودة «المخلِّص»، مؤكداً أن بلوغ «المملكة» لن يتحقق «الخميس القادم»، لكنه سيحدث «حين يحين موعد المخلّص».
من «عماليق» إلى غزة وإيران
لم تكن هذه اللغة مجرّد رموز دينية، بل تحوّلت إلى جزء من مبررات العمليات العسكرية. فقد استشهد نتنياهو مرارًا بآية «عَماليق» الواردة في سفر صموئيل، التي تدعو إلى إبادة كاملة لأعداء بني إسرائيل، بمن فيهم النساء والأطفال. استخدم العبارة ذاتها خلال الحرب على غزة، ثم أعاد تكرارها في خطابه حول الحرب على إيران، مؤكداً: «تذكّر ما فعله بك عماليق».
باحثون في دراسات الإبادة الجماعية رأوا في هذا الاستدعاء للنصوص الدينية «إشارات مقلقة» على نية تبرير العنف تجاه المدنيين. إذ وثّقت منظمات إنسانية أن الجيش الإسرائيلي استخدم سياسات كرّست استهداف المدنيين، مثل ما يُعرف ببرنامج «أين الأب؟»، الذي كان يقضي بانتظار أفراد المقاومة حتى يعودوا إلى بيوتهم ليُقصفوا مع عائلاتهم. كما سُجّل استخدام ما يسمى «نسبة ١٠٠ إلى ١» التي تسمح بقتل أكثر من مئة مدني مقابل استهداف قائد واحد من حماس.
وفي إيران، تكررت الأنماط ذاتها منذ بداية الحرب: منظمة الصحة العالمية أعلنت أن 13 مستشفى وخمس مدارس تعرّضت للقصف في الأيام الأولى، وسقط أكثر من 1300 قتيل، بينهم 150 تلميذة في ضربة على مدرسة.
ازدواجية المعايير في السرد الغربي
تثير هذه الوقائع تساؤلات عن صمت المؤسسات الأكاديمية والإعلامية الغربية إزاء التبريرات الدينية للحروب الأمريكية والإسرائيلية، في حين يُخصَّص للمجتمعات الإسلامية كمّ هائل من الدراسات حول «التطرّف الديني». فلو أن دولتين مسلمتين استخدمتا النص القرآني لتبرير حرب مماثلة، لكان الردّ الغربي سريعًا وحادًا، ولأُعيد استدعاء إرثٍ طويل من الكتابات عن «جذور الغضب الإسلامي».
ومع ذلك، حين يُستحضَر الإنجيل والتوراة لتسويغ قصف المستشفيات والمدارس، فإن هذا البعد الديني يُعامَل كتفصيل ثانوي. وفي ختام أحد مؤتمراته الصحفية، قرأ وزير الدفاع الأمريكي آية من المزامير تصف الرب بأنه «المعلِّم الذي يُدرِّب الأيادي على الحرب»، فاتحًا سؤالاً لم يُطرَح بعد بجدية في الغرب: لماذا يُسائل الباحثون جذور تطرّف المسلمين ولا يُسائلون جذور الغضب المسيحي واليهودي عندما يتحول الإيمان إلى أداة للدمار؟
حين تتحول النصوص المقدسة من مصدر للسلام إلى مبررٍ للحرب، تصبح الحاجة ملحة لإعادة التفكير في علاقة السياسة بالدين، وفي مسؤولية الخطاب الديني حين يُستخدم لتبرير القتل. فتجريد الحروب من قدسيتها الزائفة هو الخطوة الأولى نحو سلامٍ لا تصنعه الأساطير، بل العدالة والإنسانية.
قد يعجبك
تصعيد أمريكي مفاجئ: 5000 جندي إضافي في طريقهم للشرق الأوسط لمواجهة إيران
“حرب مقدسة لتعجيل هرمجدون”.. قادة بالجيش الأمريكي يخبرون جنودهم أن غزو إيران “مباركة من المسيح”












