وطن-في خضمّ تصاعد التوتر في الخليج، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها لاعبًا محوريًا يحاول ضبط إيقاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، متجنبة الانجرار إلى مواجهة مفتوحة من جهة، ومساعيها لحماية أمنها واستقرار المنطقة من جهة أخرى. التطورات الأخيرة تشير إلى أن الرياض تتعامل مع الأزمة بمزيج من الحذر الاستراتيجي والحسابات الدقيقة، وسط ضغوط متزايدة من واشنطن لتوسيع دورها العسكري.
في وقت تشهد فيه القواعد الأمريكية في الخليج هجمات إيرانية متكررة، وافقت السعودية على منح القوات الأمريكية وصولًا أوسع إلى قاعدة الملك فهد الجوية في الطائف، غرب البلاد، لتكون بديلًا أكثر أمانًا من قاعدة الأمير سلطان التي تعرضت لضربات متعددة. تلك الخطوة، بحسب مسؤولين أمريكيين وغربيين، تؤشر إلى تغير في طريقة مقاربة بعض دول الخليج للعلاقة مع واشنطن ضمن مشهد الحرب الأمريكي–الإسرائيلي ضد طهران.
هذا التحول يكتسب بُعدًا جديدًا مع تزايد الهجمات الإيرانية على منشآت خليجية، شملت ضرب مصفاة رأس لفان في قطر، ما تسبب بأضرار ستستغرق سنوات لإصلاحها وتؤثر على نحو 17 في المئة من إنتاج الغاز القطري. كما اعترضت الإمارات منذ اندلاع الحرب مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة، لتكون بين أكثر الدول الخليجية تعرضًا للأذى، رغم أنها لم تكن سبّاقة إلى تأييد الخيار العسكري.
في المقابل، خرجت مواقف دبلوماسية متباينة تعكس تباين الرؤى بين العواصم الخليجية. فقد دعت مسقط إلى تجنب التصعيد، محذرة من أن الولايات المتحدة انجرفت إلى حرب لا تخصها، فيما اعتبر وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان أن ما تقوم به إيران هو “اعتداء سافر على الأمن الإقليمي”، مؤكدًا احتفاظ المملكة بحقها في الرد العسكري إذا اقتضت الضرورة.
الواقع الميداني يؤكد أن الخلاف لم يعد حول الموقف من الحرب فحسب، بل حول طبيعة الدور الإقليمي لكل دولة. فالإمارات والسعودية، اللتان سعتا لسنوات إلى بناء نفوذ أمني واقتصادي مؤثر، تواجهان اليوم اختبارًا معقدًا بين تعزيز الردع والدفاع عن النفس دون التحول إلى طرف مباشر في الحرب. أما عمان، فتواصل الحفاظ على دورها الوسيط، مستفيدة من موقعها كأكثر الأطراف استقرارًا في خضم الفوضى.
وسط هذه التحديات، يرى خبراء أن الخليج يعيش لحظة مفصلية، بعدما أدت هجمات إيران إلى تقويض صورة الولايات المتحدة كضامن للأمن. فترسانة الباتريوت والمنظومات الدفاعية الأمريكية لم تعد كافية لمواجهة الكم الهائل من الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما أضحى تعطّل الصادرات النفطية والغازية أحد أخطر تداعيات الصراع الراهن.
في واشنطن، تكثفت الاتصالات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال الأسابيع الماضية، مع تأكيد الجانبين أهمية التنسيق العسكري. ومع وصول آلاف الجنود الأمريكيين إلى المنطقة، تزداد التساؤلات حول إمكان اتساع نطاق العمليات من الدفاعي إلى الهجومي. إلا أن الرياض، بحسب محللين خليجيين، تسعى إلى “خيط رفيع” بين الردع والدبلوماسية؛ فهي لا تريد أن تظهر بمظهر المتردد، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن أي مشاركة هجومية قد “تفتح صندوقًا من التعقيدات” لا يمكن السيطرة عليه لاحقًا.
التحليلات العسكرية تشير إلى أن امتلاك السعودية والإمارات لقدر أكبر من التنسيق الدفاعي قد يكون كفيلًا بتخفيف حدة المخاطر. فقد سمحت واشنطن مؤخرًا بتبادل منظومات الدفاع بين دول مجلس التعاون دون الحاجة لموافقة مسبقة، في خطوة تهدف إلى رفع الجهوزية المشتركة. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم حول مدى استعداد الخليج للمشاركة في عمليات بحجة “تأمين” مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات الطاقة العالمية، فيما يرى مراقبون أن أي دور هجومي في هذا المضيق قد يُفسَّر بأنه انخراط مباشر في الحرب.
وفي الوقت الذي تُبرز فيه إيران قدرتها على الرد السريع والممنهج، بدعم تقني من حلفاء دوليين، تعترف واشنطن نفسها بأن طهران ما زالت قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة ضد قواعدها. ويخشَى الخبراء من أن أي تحرك ميداني غير محسوب من دول الخليج قد يدفع المنطقة إلى مواجهة أوسع لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
ورغم أن بعض الأصوات في المنطقة تدعو إلى “خلق سابقة ردعية بعد الحرب”، فإن معظم العواصم الخليجية تبدو ميالة إلى خفض التصعيد والحفاظ على مكتسبات المصالحة مع إيران، التي أُعيدت العلاقات الدبلوماسية معها عام 2023 بوساطة صينية. ومع كل ذلك، لا تزال معادلة الأمن الخليجي رهن اختبار عسير بين الرغبة في الحماية والتحفظ على الانجرار، في وقت تتداخل فيه حسابات القوى الدولية ومصالح الطاقة وأمن الملاحة على نحو لم يسبق له مثيل.
في نهاية المطاف، تبدو الرياض أمام معادلة دقيقة: كيف توازن بين التزاماتها تجاه حلفائها الغربيين وسعيها لترسيخ استقلالها الإقليمي؟ الإجابة، كما يرى المراقبون، ستتوقف على مدى قدرتها على الحفاظ على ردع فعّال دون أن تصبح طرفًا في معركة لا تريدها، لكنها لا تستطيع أن تدير ظهرها لها.
اقرأ المزيد
تحالف “الغموض الاستراتيجي”.. هل تتدخل باكستان عسكرياً لحماية السعودية من التهديدات الإيرانية؟
الرياض خلف الستار: هل دفعت السعودية واشنطن نحو الحرب على إيران؟












