وطن-بينما تنشغل أنظار العالم بالحروب والصراعات الكبرى من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، تتجه الأنظار هذه الأيام بقلق متزايد نحو المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان، حيث يتصاعد التوتر إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود، مهددًا بتحول الخلاف إلى مواجهة مفتوحة بين دولة نووية وحكومة قائمة على حركة تمرد سابقة.
فما بدأ كسلسلة مناوشات محدودة وتبادل للاتهامات تحوّل إلى صراع مسلح يهدد بإشعال واحدة من أخطر بؤر التوتر في آسيا.
من جذور تاريخية لم تنطفئ
تعود جذور الأزمة إلى ما يزيد على قرن من الزمن، إلى ما يُعرف بـ”خط دوراند”، الحدود الممتدة لأكثر من 2600 كيلومتر التي رسمها الاستعمار البريطاني عام 1893. هذه الخطوط التي لم تعترف بها حكومات أفغانستان المتعاقبة، قسّمت قبائل البشتون بين دولتين، لتتحول إلى مصدر دائم للتوتر والتنازع السياسي والأمني.
وترى كابول أن هذا الخط فرض عليها قسرًا وجرّدها من وحدة جغرافية طبيعية، فيما تعتبره إسلام آباد حدودًا دولية نهائية غير قابلة للنقاش.
ومع عودة حركة طالبان إلى الحكم عام 2021، بعد انسحاب القوات الأمريكية، اكتسب الخلاف طابعًا جديدًا يختلط فيه التاريخي بالأمني، ويُغذّيه تصاعد نشاط الجماعات المسلحة عبر الحدود.
طالبان بين السلطة والهشاشة
نشأت حركة طالبان في منتصف التسعينيات إثر انهيار الدولة بعد الحرب ضد الاتحاد السوفييتي، مستندة إلى دعم لوجستي من باكستان ومدارسها الدينية ذات التوجه الديوبندي. هدفها المركزي كان إقامة نظام إمارة إسلامية تطبّق تفسيرًا صارمًا للشريعة.
خلال حكمها الأول (1996-2001)، فرضت قيودًا قاسية على المجتمع، خصوصًا النساء، وقدمت ملاذًا لتنظيمات متطرفة أبرزها القاعدة، ما أدى إلى سقوطها إثر التدخل العسكري الأمريكي بعد هجمات 11 سبتمبر.
واليوم، بعد عشرين عامًا من القتال، تجد طالبان نفسها في موقع الحاكم لا المقاتل، أمام معادلة صعبة بين إدارة دولة منهكة والحفاظ على هويتها العقائدية. وعلاقتها بباكستان تختبر هذا التوازن يومًا بعد يوم.
الحركة المتمرّدة في عمق المشهد
وسط هذا التعقيد تبرز “تحريك طالبان باكستان” (TTP)، الذراع الأشد إرباكًا في المعادلة. فالحركة التي تشترك إيديولوجيًا مع طالبان الأفغانية، تتخذ من الأراضي الأفغانية منطلقًا لاستهداف الدولة الباكستانية نفسها.
إسلام آباد تتهم كابول بغضّ الطرف عن نشاط المسلحين، بل وبتوفير غطاء لهم، فيما تنفي طالبان الاتهامات مؤكدة أنها لا تسمح باستخدام أراضيها ضد أي دولة. ومع ذلك، يرى خبراء أن الحدود الجبلية الوعرة، وضعف سيطرة حكومة طالبان في الأطراف، يجعلان مراقبة تحركات (TTP) مهمة شبه مستحيلة.
تفوق عسكري لا يضمن السيطرة
على الورق، تبدو الكفة راجحة لصالح باكستان بفضل جيشها المنظم وقدراتها الجوية وترسانتها النووية. إلا أن التجارب التاريخية تثبت أن التفوق العسكري لا يكفي للسيطرة داخل الجغرافيا الأفغانية العنيدة.
الحروب السابقة، سواء ضد السوفييت أو الولايات المتحدة، انتهت بلا حسم، وهو ما يدفع المراقبين إلى التحذير من أن المواجهة الحالية –حتى بوجود الضربات الجوية الباكستانية في إقليمي ننغرهار وبكتيا وحتى مشارف كابول– قد تغرق الطرفين في حرب استنزاف طويلة.
صدى إقليمي متشابك
ما يجري لا يقلق كابول وإسلام آباد فقط، بل ينعكس صداه في عواصم عديدة. الصين، التي تعد المستثمر الأكبر في باكستان عبر مشروع “الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني”، تتوجس من أن تؤدي الفوضى إلى تهديد مشروعاتها الحيوية وتوفر أرضًا خصبة لتمدد جماعات متطرفة قد تهدد مناطقها الحدودية في شينجيانغ. ولهذا تدعو بكين، بهدوء ودون ضجيج دبلوماسي، إلى التهدئة وضبط النفس.
أما الهند، فتنظر إلى المشهد من زاوية مغايرة تمامًا. في تراجع نفوذ باكستان داخل أفغانستان ترى نيودلهي “نافذة فرص” لتعويض حضورها الإقليمي. لذا تسعى إلى بناء علاقات عملية مع حكومة طالبان، عبر تقديم مساعدات إنسانية وصيانة قناة اتصال سياسية محدودة، في محاولة لتقليص التأثير الباكستاني وضمان عدم استخدام الأراضي الأفغانية ضدها.
وجوه الحرب المنسية
بعيدًا عن حسابات الجيوسياسة، تبدو الكارثة الإنسانية هي الحقيقة الصامتة الأكثر إيلامًا. تقارير الأمم المتحدة تشير إلى مئات القتلى والنزوح الجماعي من القرى الحدودية المتضررة من القصف. النساء والأطفال يشكلون النسبة الأكبر من الضحايا، فيما تزداد المخاوف من موجات لجوء جديدة نحو باكستان التي تستضيف أصلًا ملايين من اللاجئين الأفغان.
في العاصمة كابول، تتعايش قسوة الحرب مع قبضة اجتماعية مشددة؛ تعليم النساء المقيد، وأوامر طالبان بإلزامهن بارتداء البرقع في الأماكن العامة، تكرّس صورة مجتمع محاصر داخل صراعاته وحدوده.
حرب بلا شهود… ومصير غامض
رغم خطورتها، تبقى هذه الأزمة غائبة عن الأجندة الدولية؛ ضحية التعتيم الإعلامي وانشغال العالم بصراعات أخرى. هذا التجاهل لا يوقف النار بل يتركها تتقد ببطء في منطقة تراكمت فيها كل عناصر الانفجار: حدود متنازع عليها، جماعات مسلحة، ونفوذ قوى كبرى متقاطعة.
ويرجّح مراقبون أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار سياسة الضربات الانتقائية من باكستان وردودًا غير مباشرة من الطرف الآخر عبر جماعات حليفة، مما يجعل الحرب غير معلنة ولكنها مستمرة.
إن الخطر الحقيقي لا يتمثل في اندلاع مواجهة شاملة، بل في انهيار تدريجي للاستقرار الإقليمي، حيث قد تتحول الحدود الأفغانية–الباكستانية إلى إحدى أكثر النقاط حرارة وإرباكًا على الخريطة العالمية.
وفي عالم مثقل بالأزمات، قد لا يطول الوقت قبل أن تفرض “الحرب المنسية” في جنوب آسيا نفسها على واجهة الاهتمام الدولي من جديد.
قد يعجبك
اشتباكات عنيفة على الحدود بين أفغانستان وباكستان تثير القلق الدولي
رحلة التعافي تتحول إلى مجزرة… غارة دامية على مستشفى علاج الإدمان في كابول تخلّف مئات الضحايا












