وطن-دخلت الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة حرجة، بعدما قدّمت واشنطن سلسلة مطالب مشدّدة لإنهاء الحرب الدائرة، في خطوة تعتبرها مصادر مطلعة أقرب إلى إنذار سياسي منها إلى عرض تفاوضي متوازن. وتؤكد تلك المصادر أنّ طهران تنظر إلى الشروط الأمريكية الجديدة كعقبة تحول دون أي حديث جاد عن هدنة أو تفاهم.
منذ أيام، تحاول كل من تركيا وباكستان ومصر فتح قناة اتصال بين الطرفين أملاً في التوصل إلى وقف قصير لإطلاق النار، أو على الأقل البدء بمحادثات استكشافية قد تُمهد لتفاهمات مقبولة من الجانبين. غير أن النهج الأمريكي – بحسب مصادر مشاركة في المشاورات – جاء شبيهاً بالطريقة التي استخدمتها موسكو في مفاوضاتها مع كييف العام الماضي، عندما طالبت أوكرانيا بتقديم تنازلات جوهرية رفضتها في النهاية ووصفتها بعض العواصم الغربية آنذاك بأنها “استسلام دبلوماسي”.
وُصفت المطالب الجديدة التي نقلها فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأنها قائمة طويلة تشبه الخطة ذات الخمسة عشر بنداً التي كانت قد طُرحت سابقاً بشأن أوكرانيا. وتتضمّن – وفق المسؤولين الأمريكيين – وقف تخصيب إيران لليورانيوم بالكامل، وتعطيل تطوير البنية الصاروخية، ووقف نشاط الحلفاء المحليين لطهران في المنطقة.
لكن الملف الأكثر حساسية تمثل في مضيق هرمز، الذي تمرّ عبره قرابة 27% من تجارة النفط العالمية، إذ تسعى الإدارة الأمريكية إلى ترتيبات “ضمانات أو إشراف مشترك” على الممر الاستراتيجي بحجة حماية إمدادات الطاقة، وهي خطوة اعتبرتها مصادر خليجية مطلباً إضافياً ضُمّ إلى الأجندة الأمريكية مؤخراً.
طهران تردّ بحذر… ولا أفق واضح للمحادثات
من داخل إيران، تنقل الصحفية فرشته صادقي أن المزاج السائد داخل الدوائر القريبة من الحكومة لا يوحي بأي استعداد للتفاوض “ما لم تُؤخذ شروط طهران بجدية”. وذكّرت بأنّ قادة الجمهورية الإسلامية يطالبون منذ البداية بضمانات تحول دون تكرار الهجمات على أراضيهم وتعويضٍ عن الخسائر التي تكبدتها البلاد.
وفي المقابل، تواترت تقارير عن اتصالات غير رسمية قد تتيح لقاءات مبدئية بين مسؤولين أمريكيين ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في إسلام آباد، وسط حديث عن احتمال إرسال نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس لمناقشة “صفقة شاملة” تعهد ترامب بموجبها بعدم استهداف محطات الطاقة الإيرانية لفتح نافذة دبلوماسية. إلا أنّ قاليباف، الذي يعتبره بعض المراقبين الحاكم الفعلي نظراً لعلاقاته الواسعة بالحرس الثوري، نفى وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن، متهماً الرئيس الأمريكي بمحاولة كسب الوقت للتلاعب بأسواق النفط والمال.
مع ذلك، يؤكد بعض المطلعين على سير الأحداث أن قنوات التواصل غير الرسمية لم تُغلق تماماً، وأن مشاورات محدودة ما زالت جارية لترتيب خطوط تفاوض محتملة، رغم رفض طهران أي حوار علني في الظروف الراهنة.
الشكوك تتزايد… وحشود عسكرية قرب هرمز
تزامنت مهلة جديدة حددها ترامب لإيران تنتهي يوم الجمعة مع تحريك 2000 من مشاة البحرية الأمريكية وقطع بحرية بينها السفينة “يو إس إس تريبيولي” وسفينة الإنزال “يو إس إس نيو أورلينز” باتجاه المنطقة. هذه التطورات أثارت مخاوف من أن يكون “عرض التفاوض” غطاءً لتحضيرات عسكرية تستهدف جزرًا إيرانية رئيسية في مضيق هرمز، وعلى رأسها جزيرة خارك.
صادقي علّقت على ذلك بقولها إن “الخطوة الأمريكية تبدو إشارة سياسية زائفة لشراء الوقت حتى تصل القوات إلى مواقعها”. لكنها أضافت أنّ احتمال التراجع المتبادل لا يزال قائماً، لأن أي تصعيد جديد قد يجرّ دول الخليج إلى أتون الحرب ويُعرض البنية التحتية النفطية الإيرانية للدمار الكامل.
حسابات واشنطن وطهران بين الردع والتفاوض
يشرح الخبير في شؤون الشرق الأوسط كمران بخاري، من مجلس السياسات في واشنطن، أنّ الإدارة الأمريكية تتعامل مع الملف الإيراني بمرونة نسبية تفوق ما أبدته موسكو مع أوكرانيا. وقال إن “الولايات المتحدة يمكنها التعايش مع نظام إيراني ضعيف طالما حُرِم من امتلاك سلاح نووي وقُيِّدت قوته الصاروخية ونفوذه الإقليمي”. وأضاف أنّ البيت الأبيض لا يصر بالضرورة على تغيير النظام بالكامل، بل على “تعديل سلوكه” بما يشبه النموذج الفنزويلي، حيث أبدت واشنطن استعداداً للتعاون مع سلطة قائمة بعد تغيير توجهها.
أما الباحث الإيراني رضا طالبي من جامعة لايبزيغ فيرى أنّ سيناريو مماثل للنموذج الفنزويلي غير واقعي حالياً، لأنه يتطلب انهياراً اقتصادياً شاملاً وانقساماً سياسياً عميقاً داخل النظام، وهو ما لم يحدث بعد.
ويخلص بخاري إلى أنّ جدوى هذه المطالب الأمريكية تظل مرتبطة بميزان القوى في الميدان، فكلما ازداد الضغط العسكري تدهورت قدرة أي طرف على التمسك بموقفه السابق. ومع أن روسيا فشلت في إخضاع جارتها الأضعف، فإن الولايات المتحدة – بمساندة إسرائيل – نجحت في إضعاف البنية الإيرانية بدرجة جعلت طهران أكثر ميلاً للبحث عن مخرج دبلوماسي يحفظ لها الحد الأدنى من النفوذ.
وسط هذا المشهد المتشابك، يبدو الشرق الأوسط مجدداً على حافة اختبار جديد بين منطق القوة ومبدأ المفاوضات. وفي حين تتحدث واشنطن عن “ضمان أمن الطاقة”، تركز طهران على “صون السيادة الوطنية”. وبين الحلم بالتسوية وكابوس الحرب، يبقى المضيق الحيوي مرآةً لتوازن هشّ قد يتغير في لحظة واحدة.
قد يعجبك
طبول الحرب ترفع أسعار النفط.. والأسواق العالمية تترقب تداعيات القصف المتبادل في الشرق الأوسط
إسرائيل تبلغ واشنطن بنفاد مخزونها من صواريخ الاعتراض الجوي وسط تصعيد الحرب مع إيران
ترامب في مأزق: نفِي جماعي من بوش وأوباما وبايدن لمزاعم “التأييد السري” لشن حرب على إيران












