“خاص-وطن” شن الصحفي الفلسطيني الأصل عبد الباري عطوان، هجوما لاذعا على وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي أصبح يرى في نفسه المالك الأصلي والحصري لدول المنطقة خاصة بعد تصريحاته الأخيرة التي غازل بها روسيا.
وقال عطوان في افتتاحية “رأي اليوم” يوم السبت “لم نفاجأ مطلقا بـ”الصفقة” التي عرضها السيد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي على روسيا، في الحديث الذي أدلى به أثناء تواجده في بروكسل إلى صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية، وأوحت أقواله أنه يتحدث كوزير خارجية دولة عظمى، تملك ترسانة نووية هائلة، وتقرر مصير العالم بأسره.”
وأضاف “قبل أن نشرح أسباب عدم شعورنا بعنصر “المفاجأة”، نود التعريج إلى طبيعة هذه “الصفقة”، ومكوناتها، وما إذا كانت عملية، وبالتالي مقبولة، إلى الطرف الروسي، وردود فعله، والدول الإقليمية الأخرى تجاهها.”
وتابع “السيد الجبير قال، وننقل هنا حرفيا عن الصحيفة: “مستعدون لإعطاء حصة لروسيا في منطقة الشرق الأوسط يمكن أن تحولها إلى قوة أعظم بكثير بالمقارنة مع الإتحاد السوفيتي مقابل تخليها عن الرئيس الأسد”، مضيفا “أن ما يخدم مصالح موسكو هو تعزيز علاقاتها مع الرياض وليس مع الأسد”.
وأكّد عطوان أنّ هناك عدة نقاط يمكن استخلاصها من هذه المقابلة، ومن قراءة لما بين سطورها، والهدف من ورائها:
أولا: يتحدث السيد الجبير كما لو أن بلاده هي “الشرق الأوسط”، وهي التي تهيمن عليه، وتتحكم بمصيره، وتتحدث باسم دوله، التي يزيد تعدادها عن ثلاثين دولة تقريبا، إذا أضفنا إليها دول شمال إفريقيا.
ثانيا: يخاطب السيد الجبير موسكو ويقدم لها العروض، عارضا عليها الصفقات من موقع النّد، والمساواة في الحجم، والقوة، والمساحة، والنفوذ.
ثالثا: بات السيد الجبير وحكومة بلاده “مهووسة”، أو “مسكونة” بمسألة بقاء الرئيس الأسد أو عدمه، وتجعل من هذه المسألة “محور” سياستها الخارجية، وعلاقاتها مع الدول العظمى والإقليمية أيضا.
وأردف رئيس تحرير رأي اليوم قائلا “عندما نقول إننا لم نفاجأ في هذه الصحيفة “رأي اليوم” بتصريحات السيد الجبير وصفقاته، فإننا ندرك جيدا، وبناء على رصد لمواقف “المؤسسة” السعودية الحاكمة، حالة “التضخم” في الذات التي باتت تحكم مواقفها وسياساتها، خاصة طوال العام ونصف العام الأخيرين.
ورأى عطوان أنّه “منذ تولي العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز السلطة، وانتدابه لابنه الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد، وزير الدفاع، لإدارة شؤون الدولة، بدأت السياسة السعودية تتغير بشكل كلي، وبات أصحاب القرار يتصرفون كما لو أنهم يحكمون منطقة الشرق الأوسط كلها، ويملكون مفاتيحها، وصناعة القرار فيها، انطلاقا مما يملكونه من أسلحة “مالية” جبارة قادرة على تركيع أكبر دولة أو حكومة “تفكر” بالتمرد عليهم، ومن اللافت أن دولا خليجية، تملك الكثير من المال أيضا، بينها الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة، تماهت مع هذا الدور السعودي “كليا”، وتبنت كليا، أو جزئيا، متطلباته وحروبه.
ورأى عطوان أن السيد الجبير بحاجة إلى دروس في الجغرافيا الطبيعية والسياسية أيضا، فمنطقة الشرق الأوسط تشمل دولا إقليمية عظمى، مثل إيران ومصر وباكستان والعراق وتركيا، فهل أعطته هذه الدول تفويضا للحديث وطرح الصفقات بإسمها على روسيا أو غيرها؟
وأضاف “نفهم، ولكننا لا نتفهم، عروض السيد الجبير هذه، لو أنها جاءت قبل النتائج الكارثية لـ”عاصفة الحزم” التي أطلقت بلاده طائراتها ومرابضها لقصف اليمن، وقتل الآلاف من أبنائه، وتدمير البنية التحتية البدائية المعدمة، أو قبل تأسيس “التحالف الإسلامي” الذي جرى تشكيله، والإعلان عنه، فجر أحد الأيام في مطار الرياض من قبل ولي ولي العهد السعودي، ولم يمت في حينها، بل قوبل بالإزدراء من الدول المعنية التي فوجئت به، وسمعت أنباء عضويتها فيه من أجهزة الإعلام السعودية، التي كانت الوحيدة التي اطلعت على بعض عناوينه من مندوبيها الذين جلبوا على عجل، وقوبل بالرفض من الكثير من الدول المعنية، أو قبل انهيار أسعار النفط، وتبخر جزء كبير من الإحتياطات المالية السعودية، وإجراءات التقشف التي فُرضت على المواطن السعودي، والتدخل العسكري الروسي الذي غير معادلات القوة في ميادين القتال في سورية، والمصالحة الروسية التركية.
ونوّه عطوان إلى أنّ القيادة الروسية لم تقل رأيها حول مدى قبول هذا العرض أو رفضه، لأنها قطعا لن تتوقف عنده، ولن تعيره أي اهتمام، مثل كل العروض السابقة التي حملها إليها مسؤولون سعوديون أعلى رتبه من السيد الجبير، ونخص منهم، الأمير محمد بن سلمان، وقبله الأمير بندر بن سلطان بن عبد العزيز، عندما كان رئيسا للمخابرات، ومجلس الأمن القومي، والمسؤول عن ملف الأزمة السورية وتسليح المعارضة.
وتمنّى عطوان من السيد الجبير التحلي بالكثير من التواضع، ومعرفة حدود وقوة بلاده، وقدراتها السياسية، وتجنب الحديث باسم الآخرين، وعرض الصفقات، وكأنه المندوب السامي الذي يتحكم بمقدراتهم وشعوبهم.
وختم رئيس تحرير رأي اليوم افتتاحيته بالقول “نعلم جيدا أن السيد الجبير وحكومته لن يصغيان لتمنياتنا هذه، ولن يأخذا بها، ولكننا نقولها للتاريخ، لأننا سنعود إليها في “يوم ما”، ولعله قريب جدا، مثلما عدنا إلى تحذيراتنا من المصير المظلم لـ”عاصفة الحزم” في اليمن في اليوم الأول لبدء غاراتها.





