رام الله – وطن – في قلب طهران، وفي لحظة سياسية واقتصادية حرجة، تتجه أنظار المنطقة إلى ما يجري داخل إيران، حيث تشهد البلاد موجة احتجاجات جديدة تعكس حالة من الغليان داخل الطبقة الوسطى التي تمثل تاريخيًا ركيزة الاستقرار الاجتماعي. ومع تصاعد الأزمة المعيشية وشحّ المياه، يبدو أنّ نار السخط الشعبي لم تعد قابلة للاحتواء بالوسائل الأمنية المعتادة.
وفي تقرير نشرته صحيفة “جيروالزيم بوست” الإسرائيلية بنسختها الإنجليزية قالت أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتابع تطورات المشهد الإيراني عن كثب، وسط مخاوف من أن يدفع تدهور الأوضاع الداخلية طهران إلى اتخاذ خطوات عسكرية مفاجئة في محاولة للتغطية على أزماتها المتفاقمة. وتؤكد التقديرات الإسرائيلية أنّ إيران، رغم ضعفها الحالي، قد تلجأ إلى تصعيد محسوب أو هجوم صاروخي محدود إذا شعرت بأن نظامها مهدّد.
تصاعد القلق المزدوج: احتجاج داخلي ومراقبة خارجية
وتشير التقارير الاستخباراتية في إسرائيل حسب الصحيفة إلى أنّ الأجهزة الأمنية قد رفعت مستوى التأهب، تحسبًا لأي إطلاق صواريخ مفاجئ من الأراضي الإيرانية، رغم أن المعطيات الراهنة لا تشير إلى نية حقيقية لدى طهران للدخول في حرب جديدة. ومع ذلك، يستبعد المحللون الإسرائيليون إمكانية تجاهل “الخطر الكامن” في ظل تزايد هشاشة النظام الإيراني وتعرضه لضغوط داخلية غير مسبوقة.
ويؤكد مسؤولون عسكريون نقلت عنهم “جيروزليم بوست” أنّ الدفاعات الجوية الإيرانية في وضع ضعيف للغاية، وأن قدرتها على الصمود أمام ضربة إسرائيلية مطوّلة تكاد تكون معدومة. كما أشاروا إلى أن إيران تسعى حاليًا لإعادة بناء ترسانتها من الصواريخ الباليستية باستخدام صناعتها المحلية، إلا أن إنتاجها ما زال محدودًا ومتدنّي النوعية مقارنة بما كانت تمتلكه قبل الحرب الأخيرة مع إسرائيل.
اقتصاد منهك وطبقة وسطى غاضبة
وتتسع داخل المدن الإيرانية، رقعة التظاهرات التي دخلت يومها الخامس، مدفوعةً بتدهور الأوضاع الاقتصادية الحاد ونقص المياه، في مشهد يعيد إلى الأذهان مقدمات الثورة الإيرانية في أواخر السبعينيات. وتفيد التقديرات بأنّ الطبقة الوسطى، ذات التوجهات المدنية والعلمانية إلى حدّ كبير، باتت تجد نفسها محاصرة بتكاليف المعيشة الباهظة وغياب الأمل في التغيير. ويؤكد أحد المراقبين الأمنيين أنّ “أي قوة عسكرية أو شرطية لن تستطيع إيقاف موجة المواطنين الجائعين والعطشى”.
ودفعت هذه المعاناة الداخلية الحكومة الإيرانية، بحسب مصادر أمنية إسرائيلية نقلت عنها الصحيفة، إلى إعادة ترتيب أولوياتها بحيث تُقدّم ترميم قدراتها العسكرية ومواجهة إسرائيل على حساب معالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية. ويُنظر إلى هذا النهج في تل أبيب باعتباره محاولة من طهران لاستعادة هيبتها الإقليمية بعد الخسائر التي منيت بها في الحرب الأخيرة وخسارتها لعدد من حلفائها ووكلائها في المنطقة، من “حزب الله” و”حماس” إلى الميليشيات المنتشرة في سوريا والعراق، فضلًا عن توتر الأوضاع في اليمن مع الحوثيين.
توازن هش وتحديات مفتوحة
وترى الأجهزة الإسرائيلية حسب الصحيفة أن تراجع النفوذ الإيراني في أكثر من ساحة وتوالي الضغوط الشعبية الداخلية قد يدفع النظام إلى ردود فعل غير متوقعة، خصوصًا في ظلّ تصريحات وردت أخيرًا عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والتي زادت من احتقان المشهد السياسي في طهران.
ويحذر مسؤولون إسرائيليون وفق تقرير الصحيفة من أن استمرار الانهيار الاقتصادي في إيران قد يدفع قيادتها إلى “تصدير الأزمة” نحو الخارج عبر فتح جبهة جديدة. وأكدوا أنه في حال تسارعت محاولات طهران لإعادة بناء دفاعاتها الجوية وقدراتها الصاروخية، فلن يكون أمام إسرائيل خيار سوى الردّ العسكري المباشر. وحتى الآن، لم تتجاوز إيران –بحسب هذه التقديرات– الخطوط الحمراء التي رسمتها تل أبيب، بينما تبقى عيون المراقبين معلّقة بما سيُسفر عنه التصعيد الداخلي في الأيام المقبلة.
ووسط هذا المشهد المضطرب، تبدو إيران واقفة على حافة أزمة مركّبة تجمع بين الغليان الشعبي والضغوط الخارجية. ومع تحذيرات الخبراء من انفجار اجتماعي محتمل، يبقى الأمل معقودًا على حلول تنبع من الداخل، تُنهي معاناة الناس وتعيد للدولة توازنها بعيدًا عن مواجهات جديدة قد تزيد النار اشتعالًا في منطقةٍ أنهكتها الحروب والعقوبات.
اقرأ أيضا:












