وطن – يبدو أن التصادم المتصاعد بين السعودية والإمارات، على خلفية دعم أبوظبي مشاريع تقسيم اليمن والدفع باتجاه إعلان دولة في الجنوب، قد أسقط كثيرًا من الأقنعة الرقمية، وكشف اصطفافاتٍ كانت حتى وقت قريب تعمل في الظل. فمع احتدام الأزمة، خرجت حساباتٌ كانت تُصنَّف ضمن “المنطقة الرمادية” لتعلن تموضعها بوضوح إلى جانب طرفٍ ضد آخر.
من بين هذه الحسابات، برز حساب يحمل اسم «قريش»، يقدّم نفسه بوصفه حسابًا أردنيًا. وتُظهر بيانات منصة إكس أن الحساب يصدر فعليًا من الأردن، غير أن سلوكه التحريري تغيّر بصورة لافتة مع تفجّر الخلاف السعودي–الإماراتي؛ إذ تحوّل من مدافعٍ شرس عن الرياض خلال مرحلة التحالف مع أبوظبي، إلى منبرٍ يهاجم السعودية ويصطف علنًا إلى جانب الإمارات.
انقلاب الخطاب وتبدّل الأولويات
لم يقتصر نشاط الحساب على مهاجمة السعودية فحسب، بل سبق له أن دأب على مهاجمة المقاومة الفلسطينية خلال حرب الإبادة في غزة، وشنّ حملات سبّ وتشويه ضد ناشطين عرب وقفوا إلى جانب المقاومة. كما انتهج خطابًا يقوم على إثارة النعرات وضرب النسيج المجتمعي الأردني، عبر استهداف الفلسطينيين في الأردن والتحريض عليهم، في توقيتٍ بالغ الحساسية.
ومع انكشاف الاصطفاف الجديد، تزايد التفاعل السعودي مع محتوى الحساب؛ إذ رأى بعض المغرّدين السعوديين أن «قريش» — حتى وإن كان يصدر من الأردن — ليس سوى حسابٍ إماراتي ممول يعمل ضمن منظومة إعلامية رقمية عابرة للحدود. في المقابل، ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، متسائلين عمّا إذا كان الحساب على صلةٍ بأجهزة رسمية أردنية، في ظل علاقات وثيقة تربط عمّان بأبوظبي.
الأردن بين الحياد والضغوط
تفتح هذه التساؤلات بابًا أوسع حول موقف الأردن من التصادم القائم بين حليفين إقليميين كبيرين. فالأردن، الذي يعتمد تقليديًا سياسة التوازن والحياد الحذر، يجد نفسه أمام شبكات نفوذ متقاطعة وضغوط اقتصادية وسياسية معقّدة. وتشير تقارير غير رسمية إلى اختراق إماراتي متزايد للمشهد الأردني، وإلى نفوذٍ يُنسب إلى محمد دحلان، المستشار المقرّب من حاكم الإمارات محمد بن زايد، داخل دوائر أمنية وإعلامية في المملكة، بما في ذلك الحديث عن حضورٍ غير مباشر داخل جهاز المخابرات العامة.
ورغم غياب أي تأكيد رسمي لهذه المزاعم، فإن تبدّل خطاب حسابات تصدر من الأردن لصالح أبوظبي، وتوقيت هذا التحول، يعيدان طرح سؤالٍ مشروع: هل يستطيع الأردن الاستمرار في سياسة “المسافة الواحدة” إذا تحوّل الصراع إلى مواجهة مفتوحة بين الرياض وأبوظبي؟
ذروة الأزمة: جنوب اليمن
بلغت الأزمة السعودية–الإماراتية ذروتها عندما أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا، خطوة انفصالية في جنوب اليمن، ما اعتبرته الرياض تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وحدودها الجنوبية. وعلى إثر ذلك، وجّهت السعودية تحذيرًا حاسمًا طالبت فيه القوات الإماراتية بالانسحاب من اليمن خلال 24 ساعة. وبعد ساعات قليلة من صدور التحذير، أعلنت الإمارات انسحابها العسكري، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها تراجع اضطراري أمام ضغط سعودي واضح.

خلاصة
تكشف قضية حساب «قريش» أكثر من مجرد انقلابٍ رقمي؛ فهي تعكس صراع نفوذ إقليميًا، تتداخل فيه السرديات الإعلامية مع الحسابات الأمنية والسياسية. وبينما تواصل السعودية إعادة ضبط خطوطها الحمراء في اليمن، تحاول الإمارات الحفاظ على مكاسبها عبر أدوات مختلفة، من بينها الفضاء الرقمي. أما الأردن، فيبقى السؤال مفتوحًا: إلى أي مدى يستطيع البقاء على الحياد، وسط عاصفة تصطفّ فيها الحسابات قبل الدول؟
اقرأ أيضاً:










