أبوظبي – وطن – في نهاية عام 2025 وبداية 2026، تصدّرت جزيرة سقطرى اليمنية عناوين الأخبار مجددًا، ليس بسبب مناخها الفريد أو بيئتها الاستثنائية، بل لأنها أصبحت رمزًا لتنافس إقليمي غير مسبوق بين حليفين خليجيين كان يُعتقد أنهما في صفٍّ واحد: السعودية والإمارات.
تقع سقطرى، وهي أكبر جزر أرخبيل على البحر العربي، في موقعٍ استراتيجي يمتد بين خليج عدن والقرن الأفريقي، وتُعرف عالمياً بأنها محمية طبيعية غنية بالتنوع البيولوجي ومن ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو لما تضمّه من أنواع نباتية وحيوانية لا توجد في أي مكان آخر على سطح الأرض.
قصة النفوذ والتحوّل
خلال السنوات الماضية من الحرب اليمنية، دخلت الإمارات سقطرى ضمن تدخلها العسكري في اليمن، وبسطت وجودها هناك عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يحظى بتمويلٍ إماراتي واسع، وفرض سيطرته على الجزيرة إدارياً وسياسياً بعيداً عن الحكومة اليمنية الشرعية.
هذه السيطرة بدأت في 2018 عندما نزلت القوات الإماراتية بآلياتها إلى مطار وميناء سقطرى دون تنسيق مسبق مع الجهات اليمنية، مما أثار توتراً بين الرياض وأبوظبي آنذاك، حتى تم التوصل إلى اتفاق إعادة السيطرة على المطار والميناء رسميًا. لكن ذلك لم يمنع تواصل التمدد الإماراتي داخل الجزيرة بطرق أخرى، سواء عبر مشاريع بنية تحتية أو دعم شبكات محلية موالية.
الانسحاب الإماراتي… بين الإعلان والواقع
في أواخر ديسمبر 2025، ومع تصاعد الخلاف بين السعودية والإمارات حول مستقبل اليمن، وُجهت إلى أبوظبي مهلة سعودية صارمة للانسحاب من الأراضي اليمنية بما فيها سقطرى، بحجة أن استمرار الوجود الإماراتي هناك يهدد الأمن القومي السعودي ويمثل انتهاكًا لسيادة اليمن.
جاء الرد الإماراتي سريعًا بإعلان انسحاب قواتها من اليمن، في خطوة وصفها بيان رسمي بأنها جزء من إنهاء المشاركة الإماراتية في التحالف، وليس استجابةً لضغوط الرياض. لكن الميدان لم يعكس هذا الانسحاب بشكل كامل، إذ لا تزال المرافق الحيوية في سقطرى تحت إدارة الإمارات والمجلس الانتقالي، بينما تستمر قوات الانتقالي في دعمها لوجود الإمارات غير الرسمي عبر القنوات المحلية.
ردود فعل الناشطين ومغردو تويتر
تفاعل رواد منصات التواصل الاجتماعي مع التطورات بسرعة، وكان لمنصة “إكس” نصيبٌ بارز من المناقشات الساخنة.
مثال على ذلك ما كتبه الدكتور مراد علي في تغريدة واسعة الانتشار، وصف فيها الأخبار عن تحرير سقطرى بأنها نجاحٌ سعودي مهم، وشدّد على أن وجود قواعد عسكرية ومرافق استخباراتية، ربما بالتعاون مع إسرائيل، لا يهدّد السيادة اليمنية فقط، بل يخلّ بالتوازن الإقليمي. كما انتقد الموانئ البحرية التي أُقيمت لمصالح خاصة، والاتهامات المتداولة عن ضغوط على السكان المحليين ومحاولات لطمس الهوية اليمنية، إضافة إلى مزاعم نقل أشجار نادرة ومواد بيئية إلى الإمارات، وهو ما دفع اليونسكو إلى إرسال بعثة للتحقيق.
من ناحية أخرى، عبّر عدد من النشطاء اليمنيين عن عدم ثقتهم بانسحاب الإمارات الحقيقي، معتبرين أن المحافظة على السيطرة عبر وكلاء محليين داخل سقطرى هو استمرارٌ لنفوذ أبوظبي. وقد رأى البعض أن هذا الملف هو “الاختبار الحقيقي” لصدق إعلان الانسحاب الإماراتي، وأن بقاء أي رمزية لوجودها في الجزيرة هو مؤشرٌ على عدم نية التخلي فعليًا.
السقف البيئي والقومي
إلى جانب الزاوية السياسية، ثارت مخاوف بيئية دولية ومحلية من التأثيرات السلبية للمشاريع العسكرية والبنى التحتية على السواحل والنظم البيئية الهشة في سقطرى، والتي تضم آلاف الأنواع الفريدة وبيئة لا تجد مثلها في باقي أنحاء العالم.
سقطرى بين الدبلوماسية والصراع
تظل سقطرى اليوم أكثر من مجرد جزيرة طبيعية؛ فهي ساحة لتجاذبات إقليمية تُظهر هشاشة السيادة الوطنية عندما تتقاطع المصالح الكبرى مع التاريخ والجغرافيا والبيئة. وبينما تراقب السعودية عن كثب ما إذا كان انسحاب الإمارات حقيقيًا أم شكليًا، يبقى السؤال الأكبر: هل ستشهد سقطرى عودة تدريجية لوحدة اليمن؟ أم ستستمر كونها ورقة نفوذ في لعبة إقليمية معقدة؟
اقرأ أيضاً:










