وطن – نشرت منصة Horn Review هذا البحث للكاتب Yonas Yizezew ويتعلق بالتطورات التي تشهدها المنطقة فيما يتعلق بأحداث اليمن وصراع النفوذ بين السعودية والإمارات.
وطن تعرض هنا معظم ما جاء بالبحث ولا تقصد تبني ما جاء به إنما تقصد نشر المعرفة.
وتعرف منصة Horn Review عن نفشها بأنها تأسست عام 2021، وهي منصة بحثية ونشر مستقلة رائدة، تتخذ من أديس أبابا، إثيوبيا مقرًا لها. تختص المؤسسة بتقديم تحليلات معمّقة ورؤى استراتيجية حول القضايا السياسية والدبلوماسية والأمنية المحورية التي تؤثر في منطقة القرن الإفريقي والمشهد السياسي العالمي على حدّ سواء.
التقرير
تشهد المنطقة العربية تحوّلاً نوعياً في موازين القوى، لم يعد يُقاس فقط بدرجة التفاهم بين العواصم الكبرى، بل بات يتجلى في اختلاف الرؤى الإستراتيجية التي تحدد ملامح الأمن الإقليمي. فبينما كانت الخلافات سابقاً قابلة للاحتواء ضمن أطر تنسيق أوسع، أصبحت اليوم محور صراع بنيوي يعيد رسم خرائط التحالف والتأثير، خصوصاً بين السعودية والإمارات، فيما تقف مصر في موقع المراقب المتردد، توازن بين حذرٍ جغرافي وضرورات أمنية ضاغطة تمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي.
رؤيتان متناقضتان لمستقبل المنطقة
يقف في قلب هذا التحوّل اختلاف جذري في المقاربات الأمنية. فالسعودية تميل إلى نهج يركّز على خفض التوتر، وضبط الحدود، واحتواء التهديدات قبل تفاقمها. هذا المنحى تجلّى بوضوح في سياستها تجاه اليمن، حيث انتقلت من العمليات العسكرية الواسعة إلى إدارة الخروج وضبط المخاطر، بعد أعوام من الاستنزاف وتغيّر الأولويات الاقتصادية بفعل “رؤية 2030”.
في المقابل، تتبنى أبوظبي تصوراً أكثر اندفاعاً يقوم على فكرة أن النظام الإقليمي في حال هشاشة مؤقتة، وأن الثورات المؤجلة والتوترات الفكرية الكامنة ستتفجر مجدداً. ومن هذا المنطلق، ترى أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق إلا عبر إعادة تشكيل مبكرة للبنية الأمنية والسياسية، حتى لو استدعى ذلك تدخلاً مباشراً في ملفات المنطقة.
اليمن… ميدان الخلاف المفتوح
يُعد اليمن التجسيد الأوضح للتباين بين المشروعين. فالمملكة العربية السعودية باتت تُفضّل التهدئة مع الحوثيين على استمرار الحرب المفتوحة، وتعمل على إقامة ترتيبات أمنية تقلص مخاطر الاعتداءات العابرة للحدود. وتعبّر محادثاتها المباشرة مع الحوثيين برعاية عمانية عن رغبتها في تثبيت الحدود واستعادة مساحة من الاستقرار دون الانخراط في هندسة المشهد السياسي الداخلي لليمن.
في المقابل، ركزت الإمارات على ترسيخ نفوذها عبر تحالفات محلية، أبرزها دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وقوى محلية تهيمن على موانئ ومواقع استراتيجية في عدن والمكلا وسقطرى. فبحسب رؤيتها، الحفاظ على ممرات بحرية آمنة في خليج عدن والبحر الأحمر، ومنع القوى الإسلامية التي تصنّفها تهديداً أيديولوجياً من العودة إلى المشهد، يمثلان أولوية وطنية وأمنية.
ومع نهاية عام 2025، بلغت الخلافات بين الجانبين ذروتها عندما نفذت السعودية ضربات جوية على ميناء المكلا استهدفت شحنات سلاح يُعتقد أنها كانت موجهة إلى قوى جنوبية مدعومة من الإمارات، ما أدى إلى انسحاب الأخيرة من مواقع رئيسية. بالنسبة للرياض، أي كيان انفصالي في الجنوب سيكرّس دورة جديدة من عدم الاستقرار على حدودها الجنوبية.
القاهرة بين أمن النيل وحدود الصحراء
أما مصر، فتتحرك وفق منطق مغاير يرتكز على هاجس انهيار الدولة في جوارها المباشر. فالقاهرة تعتبر السيطرة على منابع النيل وضبط شبه جزيرة سيناء مسألة بقاء لا تحتمل المجازفة. والحرب في السودان تمثل، بحسب قراءتها، تهديداً مزدوجاً للنيل وللأمن الحدودي، وهو ما يفسر دعمها للجيش السوداني بوصفه المؤسسة الأكثر قدرة على إعادة السلطة المركزية.
وفي ليبيا، حافظت مصر على علاقات مع قائد الجيش خليفة حفتر ورئيس البرلمان عقيلة صالح، لضمان وجود سلطة عسكرية يمكن التنبؤ بسلوكها على حدودها الغربية، حتى على حساب وحدة الدولة الليبية. ومع اعتمادها المالي على الدعم الخليجي، تظل خياراتها محدودة، لكنها تواصل البحث عن “مناطق عازلة” من الاستقرار المسيطر عليه.
أبوظبي والخرطوم… نفوذ عبر الفاعلين غير الرسميين
على الضفة الأخرى، تنظر الإمارات إلى السودان كمنصة لوجستية واقتصادية وفرصة لتوسيع النفوذ من خلال قوى شبه رسمية تعتمد على دعمها المباشر، مثل قوات الدعم السريع. هذا النمط من النفوذ يعيد إلى الأذهان أدوارها السابقة في ليبيا واليمن، حيث لم يُنظر إلى التفتت السياسي كخطر، بل كبيئة تمنح مرونة في التفاهم مع أطراف متعددة. أما بالنسبة للقاهرة، فإن هذا التفكك يمثل تهديداً وجودياً يُربك حساباتها في وادي النيل ويضعف قدرتها على التأثير في مجريات الأحداث.
البحر الأحمر والقرن الأفريقي… مسرح تنافس جديد
يتسع التباين إلى منطقة القرن الأفريقي، حيث تتقاطع مصالح الدول الثلاث على سواحل البحر الأحمر. فالسعودية تفضّل مقاربة حذرة تسعى إلى بناء منظومة أمنية قائمة على التعاون بين الدول الساحلية، في حين تتخوف مصر من تمدد النفوذ الإقليمي على حساب أمنها المائي ومكانتها الأفريقية. أما الإمارات، فتمضي بخطى سريعة نحو ترسيخ حضورها في الموانئ والجزر الممتدة من بربرة إلى سقطرى، في استراتيجية تصفها الرياض والقاهرة بأنها تجاوزة لمصالحهما الحيوية.
وتنظر كل من السعودية ومصر بقلق إلى التكامل المتسارع بين الإمارات وإسرائيل في بعض نقاط البحر الأحمر، خشية قيام محور موازٍ قد يعيد توزيع السيطرة على الممرات البحرية من باب المندب إلى قناة السويس.
التوازنات الخارجية وتعقيد المشهد الإقليمي
ولا يمكن تجاهل البعد التركي الذي يضيف طبقة جديدة على هذا التشابك. فأنقرة، بحضورها العسكري والاقتصادي في الصومال ودعمها لحكومة طرابلس في ليبيا والجيش السوداني في الخرطوم، تفرض واقعاً مغايراً لمصالح الإمارات وتحدياً لخيارات مصر والسعودية في المنطقة. وهكذا، يتشكل مشهد جيوسياسي متعدد الأقطاب، حيث تتقاطع المصالح العربية مع تنافس القوى الإقليمية غير العربية على النفوذ والموارد والممرات البحرية.
آفاق المرحلة المقبلة
رغم الفوارق العميقة، لا تزال الرياض والقاهرة تتقاطعان في هدف رئيسي يتمثل في ضمان محيط جغرافي يمكن السيطرة عليه. ومع اشتداد الضغوط الاقتصادية وتغير مواقف القوى الدولية، يبدو أن التباينات الخليجية–العربية ستزداد عمقاً، بحيث تتحول من اختلافات تكتيكية إلى محور أساسي يحدد شكل النظام الإقليمي القادم.
في خضم هذه التحولات، تبدو المنطقة مقبلة على مرحلة يعاد فيها تعريف التحالفات لا وفق الشعارات أو الانتماءات الأيديولوجية، بل وفق أي رؤية قادرة على الصمود أمام اختبار الواقع — أمنياً، واقتصادياً، وسياسياً.
نص تحريري توعوي يهدف إلى تبسيط تحليل التحولات الجيوسياسية في المنطقة العربية، مع الحفاظ على دقة الوقائع كما وردت في المحتوى الأصلي.
اقرأ أيضاً:










