خاص – وطن – في وقت تصاعدت فيه التوترات الإقليمية في اليمن، السودان، الصومال، والقرن الإفريقي، طرحت أسئلة حادة في الأوساط السياسية العربية حول غياب دور الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في مواجهة التحديات الراهنة، وعدم رؤيته بشكل قوي في مواجهة ما يُنظر إليه كتهديدات استراتيجية تمسّ الأمن القومي المصري.
هذه الأسئلة تأتي في سياق صراع متزايد بين السعودية والإمارات على النفوذ الإقليمي، في حين تتخذ القاهرة مواقف تبدو أقل بروزًا وحضورًا مما كان متوقعًا تاريخيًا من دولة تعتبر نفسها لاعبًا رئيسيًا في السياسة العربية.
أين السيسي؟ ومتى آخر ظهور مهم له؟
لا يوجد غياب كامل، لكن دور عبدالفتاح السيسي في الأحداث الأخيرة لم يكن بارزًا على مستوى القيادة السياسية العالية، مقارنة بالتطورات المتسارعة في المنطقة. آخر الأنشطة الدبلوماسية المتعلقة بهذه القضايا كان استقبال السيسي وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في القاهرة في مطلع يناير 2026، حيث جرى التأكيد على تطابق المواقف بين مصر والسعودية بشأن وحدة اليمن، السودان، والصومال والدعوة إلى حلول سلمية تحافظ على سيادة الدول وفق بيان رسمي للرئاسة المصرية. بيان عادي لا يغني ولا يسمن جوع ولا يوازي حجم المساعدات السعودية التي قدمت إلى مصر.
السيسي شدّد أيضًا على أهمية التنسيق المصري–السعودي لمواجهة الأزمات الإقليمية، بما في ذلك الملف اليمني وقضية الجنوب اليمني، الأزمة السودانية، ورفض التدخلات التي تمسّ سيادة الصومال. هذه التصريحات لا تتبعها أفعال على الأرض بل تبقى بيانات محفوظة في أدراج وزارة الخارجية المصرية.
أليس اعتراف إسرائيل وأي تحرك عسكري في أرض الصومال تهديدًا للأمن المصري؟
وينظر إلى الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» وما قد يترتب عليه من توسيع نفوذ دول خارج الإقليم يُنظر إليه من قبل العديد من الخبراء كموقف يمكن أن يؤثر على ممرات الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وهو شريان حيوي للاقتصاد المصري والعالمي، إذ أن الأمن والاستقرار في البحر الأحمر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالملاحة عبر قناة السويس. فلماذا يبدو نظام السيسي وكأن الأمر لا يعنيه.
وعلى المستوى السياسي، أكد السيسي موقف مصر الثابت داعمًا لوحدة وسيادة الدول وسلامة أراضيها، وتعاونًا مع السعودية في مواجهة أي خطوات تقوّض هذه المبادئ، بما في ذلك رفض “الإجراءات الأحادية التي تمسّ سيادة الصومال” كما ورد في بيان الرئاسة المصرية.
لماذا لم يصدر صوت قوي للسيسي في التطورات اليمنية؟
برغم التشاور مع السعودية حول اليمن، لا توجد حتى الآن مواقف مصرية مستقلة واضحة أو خطوات ميدانية أو سياسية منفصلة تُبرز دور القاهرة في إدارة الصراع اليمني أو معالجته بشكل يؤدي إلى حل سياسي مستقل. تصريحات مصر حتى الآن تنحصر في التأكيد على الحوار الشامل والتهدئة والحفاظ على وحدة اليمن، وهي مواقف قريبة إلى حد كبير من الموقف السعودي، دون أن تبرز القاهرة كمركز قيادة مستقل في هذا الملف. وكانت مصر قد تدخلت في اليمن في عهد الرئيس جمال عبدالناصر. وكانت تعتبر أي انشقاق أو خطر يداهم الدول العربية يداهم مصر في الوقت ذاته.
العلاقات المصرية–الإماراتية والسعودية وتأثيرها على الموقف
منذ توليه السلطة، اعتمد السيسي في البداية على دعم خليجي واسع عقب انقلاب 2013، حيث قدّمت السعودية والإمارات مليارات الدولارات لمصر في دعم اقتصادي واستقرار سياسي.
مع مرور الوقت، شهدت العلاقات بين مصر والإمارات توترًا نسبيًا في بعض الملفات، في حين عزّزت مصر تنسيقها مع السعودية على القضايا الإقليمية الكبرى، بما في ذلك اليمن والسودان والصومال.
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات بين مصر والإمارات قد شهدت توترًا في الماضي بسبب اختلاف وجهات النظر حول بعض الملفات الإقليمية، وهو ما ظهر في تقارير إعلامية سابقة عن اتساع الهوّة بين القاهرة وأبوظبي في بعض القضايا، رغم الإبقاء على التعاون في ملفات أخرى.
تغييب مصر التاريخي… بين اليوم والأمس
على مرّ العقود الماضية، لعبت مصر أدوارًا قيادية في القضايا العربية:
- في عهد جمال عبد الناصر كانت مؤسسة لعدم الانحياز ولعبت دورًا محوريًا في السياسة العربية الأفريقية. ودعمت حرب تحرير الجزائر وخاضت حرباً مع إسرائيل
- في عهد أنور السادات لعبت دورًا كبيرًا في مفاوضات السلام مع إسرائيل ومن قبل ذلك خاض حرباً وحقق انتصار أكتوبر.
- في عهد محمد حسني مبارك كانت مركزًا مهمًا في تحالفات إقليمية، ولا سيما في غزو الكويت وإعادة ترتيب الوضع في الخليج.
أما في عهد السيسي، فلم يبرز حتى الآن دور مصري مستقل قوي في الملفات الإقليمية الساخنة، بل اكتفى بتنسيق المواقف مع حلفاء مثل السعودية، فيما تواجه مصر تحديات داخلية اقتصادية تجعل من صعود دورها السياسي المستقل أكثر تعقيدًا.
صمتٌ متعمّد أم إعادة تموضع؟
تصريحات السيسي الأخيرة تؤكد موقف مصر الداعم لوحدة الدول ورفض التدخلات الأحادية، لكن غياب تواجد قوي أو قيادة واضحة في الساحة الإقليمية يثير تساؤلات لدى بعض المحللين حول ما إذا كانت القاهرة تفضل التنسيق الوثيق مع السعودية على أن تكون قوة مؤثرة مستقلة في سياسات المنطقة، خاصة في ظل الصراع بين القوى الخليجية الكبرى، وتأثير ذلك على الأمن القومي المصري في ملفات حساسة مثل البحر الأحمر، ووحدة الدول المجاورة.
فهل اصبحت السعودية هي المسؤولة عن حماية الأمن القومي المصري؟
اقرأ أيضاً:










