طهران – وطن – لم تنجح محاولات السلطات الإيرانية في إخماد موجة الغضب الشعبي المستعرة منذ نحو أسبوعين، رغم فرضها حجبًا شبه كامل على شبكة الإنترنت شلّ تواصل البلاد مع العالم الخارجي. فقد تحولت شوارع عدد من المدن إلى ساحات احتجاج تتخللها مواجهات عنيفة، وسط تقارير عن سقوط عشرات القتلى بينهم أطفال.
وفقًا لمنظمات حقوقية، بلغ عدد ضحايا الاحتجاجات الأخيرة ما لا يقل عن 51 شخصًا، بينهم تسعة أطفال، بينما جُرح المئات نتيجة إطلاق النار المباشر واستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين. وتزامن ذلك مع تصاعد وتيرة الغضب الشعبي في طهران وكرج ومدن أخرى، حيث أحرق المحتجون سيارات ومبانٍ حكومية تنديدًا بانهيار العملة وغلاء الأسعار واستمرار القمع السياسي.
وذكرت الصحفية الإيرانية الأميركية بنافشه زند أن التعتيم الإعلامي لم ينجح في كبح الاحتجاجات، مشيرةً إلى أن الحشود تستعد للنزول مجددًا إلى الشوارع في مشهد وصفتْه بأنه “غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الإسلامية منذ 47 عامًا”.
وفي المقابل، أكد مسؤول أميركي رفيع أن الجيش الأميركي لم يُجر أي تغييرات في تموضعه بالمنطقة، لكنه أشار إلى متابعة دقيقة للتطورات، خصوصًا أثناء صلاة الجمعة وما قد يعقبها من ردود فعل من جانب السلطات الإيرانية.
وعلى الصعيد الدولي، أصدرت فرنسا وبريطانيا وألمانيا أول بيان مشترك لها بشأن الأوضاع في إيران، عبّرت فيه عن “قلقها العميق” من العنف الذي تمارسه قوات الأمن، ودعت طهران إلى حماية حق المواطنين في التعبير والتجمع السلمي، والامتناع عن أي تصعيد دموي.
وفي الداخل، أفاد المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، المحسوب على المعارضة، بأن قوات الأمن كثّفت عملياتها الليلية في عدد من المدن، ولا سيما في كرج، حيث استُهدف متظاهرون بالرصاص ما أدى إلى مقتل وإصابة عدد من الشبان، وهي معلومات لم يتسنَّ التحقق منها بشكل مستقل.

وأكدت رئيسة المجلس، مريم رجوي، أن الأوضاع الراهنة تُظهر ضعف النظام الحاكم رغم محاولاته الاحتفاظ بقبضته الحديدية، وقالت إن التغيير “لن يأتي من الخارج بل من إرادة الإيرانيين أنفسهم عبر مقاومة منظمة تمتد في أرجاء البلاد”.
ومع انقطاع الاتصالات الهاتفية وإلغاء عشرات الرحلات الجوية بين دبي ومدن إيرانية، بدت البلاد بمعزل شبه تام عن العالم. وأظهرت مقاطع موثقة احتراق سيارات ومبانٍ في طهران ومدن أخرى، فيما تعالت هتافات المحتجين ضد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وأخرى تمجد العهد الملكي السابق.
وفي الجنوب الشرقي، شهدت مدينة زاهدان ذات الأغلبية البلوشية مواجهات دامية عقب صلاة الجمعة، بعدما أطلقت قوات الأمن النار على مسيرة احتجاجية وفق ما ذكرته منظمات حقوقية. أما الإعلام الرسمي فقد بث مشاهد لحرائق واشتباكات، وتحدثت وكالة “تسنيم” عن مقتل عدد من أفراد الشرطة خلال الليل، ما يعكس تصاعد حدّة العنف المتبادل.
ورغم هذه التطورات، تعهد المرشد الإيراني في خطاب متلفز بعدم التراجع أمام “محاولات زعزعة الاستقرار”، بينما رأى مراقبون أن السلطات تبدو أكثر هشاشة من ذي قبل في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة وتداعيات الصراع الإقليمي الأخير.
وبدأت شرارة الاضطرابات نهاية الشهر الماضي حين أقدم تجار البازار في طهران على إغلاق محالهم احتجاجًا على انهيار الريال الذي فقد نحو نصف قيمته خلال عام واحد، وارتفاع التضخم إلى أكثر من 40 في المئة. وما لبثت الاحتجاجات أن امتدت إلى الجامعات والمدن الإقليمية، لتتحول إلى حركة غضب شبابية واسعة النطاق.
وعرضت القنوات الرسمية لقطات لباصات وسيارات ومصارف وأقسام شرطة تحترق خلال الليل، فيما وصف مراسل حكومي المشهد في مدينة رشت الساحلية بأنه “أشبه بمنطقة حرب”.
ورغم خفوت الأصوات المعارِضة في الخارج بسبب الانقسامات، دعا رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، عبر وسائل التواصل، مواطنيه لمواصلة التظاهر، بينما استبعد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لقاءه، مكتفيًا بالقول إنه “ليس من المناسب” دعم أي طرف في هذه المرحلة.
ومن جانبه، قلّل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من احتمالات أي تدخل عسكري خارجي، مؤكّدًا أن وزير خارجية سلطنة عمان سيزور طهران قريبًا للتباحث في “مسائل إقليمية”.
ويشي تاريخ الاحتجاجات في إيران بأن البلاد اعتادت موجات الغليان الجماهيري كل بضع سنوات – من طلاب 1999 إلى احتجاجات “الحركة الخضراء” عام 2009، مرورًا بانتفاضات 2019 و2022 – غير أن اختبار اللحظة الحالية يبدو مختلفًا: فبين تضييق اقتصادي خانق، وغضب شعبي متنامٍ، ومجتمع شاب فقد الثقة بوعود الإصلاح، تترنح السلطة بين خيار التهدئة أو الانفجار.
وفي ختام المشهد، لا يبدو أن التعتيم الإعلامي قادِر على حجْب صوت الشارع، ولا القمع كفيل بإخماد مطلب الكرامة. فالإيرانيون الذين فقدوا أبناءهم في هذه الأحداث يرون أن العالم لا يجب أن يصمت، وأن حجب الإنترنت لا يمكن أن يحجب وجعهم أو يوقف بحثهم المستمر عن حياة أكثر عدلاً وأملاً.
اقرأ أيضاً:










