وطن – في منطقة تتقاطع فيها التحالفات والمصالح على نحو متسارع، تتردد تساؤلات حول أسباب محتملة دفعت إسرائيل إلى التحفّظ على تنفيذ ضربة عسكرية أمريكية ضد إيران. ورغم أن الموقف لم يُعلَن رسمياً، فإن تقارير غربية ومنها صحيفة “نيويورك تايمز” نقلت أن حكومة تل أبيب وعدة عواصم عربية ناشدت الإدارة الأمريكية السابقة تأجيل أي عمل عسكري ضد طهران، في وقتٍ بدا فيه الشرق الأوسط أكثر استقراراً نسبيًا بالنسبة إلى الدولة العبرية.
ملامح المشهد الإقليمي
وتشهد المنطقة مرحلة دقيقة تتراجع فيها حدة التهديدات التي واجهتها إسرائيل خلال العامين الأخيرين. فحركة “حماس” في غزة تبدو في أضعف حالاتها بعد سلسلة من الضربات المكثّفة، و”حزب الله” اللبناني يمرّ بمرحلة إنهاك اقتصادي وعسكري، بينما بقيت الجبهة السورية هادئة بفضل منطقة فصل نسبية يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي وحلفاؤه المحليون. حتى السلطة الفلسطينية، وفق تقديرات دبلوماسية، تبدي استعداداً للتعاون مع الخطة الأمريكية الجديدة الخاصة بقطاع غزة.
حسابات الحذر الإسرائيلي
يمكن النظر إلى الموقف الإسرائيلي باعتباره محاولة للحفاظ على مكاسب ميدانية ودبلوماسية نادرة. فالهجوم الأمريكي على إيران قد يفتح الباب أمام ردود فعل إيرانية مباشرة تستهدف إسرائيل، كما حدث في مواجهة سابقة حين أطلقت طهران عشرات الصواريخ الباليستية خلال نزاع استمر نحو اثني عشر يوماً، نجح بعضها في تجاوز منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية وأوقع قتلى مدنيين. ولهذا، يَرجّح مراقبون أن تل أبيب لا ترغب في تجدد هذا السيناريو بينما تعيش فترة من التفوق النسبي على خصومها الإقليميين.
اتساع رقعة العلاقات الإسرائيلية
وأتاح الهدوء النسبي لإسرائيل فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي بطرق غير مسبوقة. فقد توصلت خلال الأسابيع الأخيرة إلى تفاهم مبدئي مع سوريا حول تبادل المعلومات الاستخباراتية وفتح قنوات اتصال اقتصادية، وهو تطور يعكس تغيراً تدريجياً في العلاقة بين الجانبين بعد سنوات العداء. وفي لبنان، أثار تصريح وزير الخارجية بشأن “حق إسرائيل في استهداف حزب الله ما لم يُنزَع سلاحه بشكل تام” تفاعلاً لافتاً كونه أول من نوعه بهذا الوضوح من مسؤول لبناني.
أما في البحر المتوسط، فالتنسيق العسكري بين إسرائيل وكل من اليونان وقبرص آخذ في الاتساع، من خلال مناورات جوية وبحرية مشتركة تهدف إلى كبح الطموحات الإقليمية لأنقرة، إلى جانب مشاريع تعاون اقتصادي متزايدة. وتمتد شبكة العلاقات الجديدة إلى القرن الإفريقي أيضاً، حيث أعلنت إسرائيل اعترافها رسمياً باستقلال “أرض الصومال”، لتصبح أول دولة تقدم على هذه الخطوة، ما منح الدولة الوليدة ثقلاً دبلوماسياً مفاجئاً.
المصالح المشتركة وراء البحار
وترى “أرض الصومال” في إسرائيل شريكاً طبيعياً، كما قال وزير خارجيتها لوكالة أنباء دولية: “نحن محاطون بجيران معادين، تماماً كما هو الحال بالنسبة لإسرائيل”. هذا التلاقي في الظروف الأمنية يمهّد لتعاون يخدم الطرفين، لا سيما أن موقع “أرض الصومال” المطل على أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً يجذب اهتمام القوى العسكرية والاقتصادية الكبرى. وتشير تقارير إلى أن تل أبيب تدرس تعزيز علاقاتها مع قبائل “العفر” المنتشرة بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، وهي منطقة تنظر إليها إيران بدورها كموقع استراتيجي.
بين الحذر والمجهول
وتبدو إسرائيل اليوم أكثر ميلاً إلى تثبيت الواقع القائم بدلاً من خلط أوراق المنطقة بضربة جديدة، خصوصاً في وقت يسود فيه الغموض إزاء نوايا واشنطن ومسار قراراتها. فالمشهد الإقليمي، رغم هدوئه النسبي، يبقى قابلاً للاشتعال في أي لحظة. لهذا، يُحتمل أن يكون تأجيل أي مواجهة مع إيران خياراً مؤقتاً للحفاظ على هذا التوازن الدقيق — توازنٌ يدرك الجميع هشاشته، لكنه، بالنسبة لتل أبيب، يظل أفضل من المغامرة في المجهول.
اقرأ أيضاً:












