العراقيون يفصلون بين الدين والسياسة… والإيرانيون ينظرون بإعجاب إلى التجربة المجاورة
وطن – تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر حركة احتجاجية جديدة تطالب بالإصلاح السياسي والاقتصادي، في وقت يتزايد فيه حديث الشارع الإيراني عن التجربة العراقية بوصفها نموذجًا لإمكانية التوفيق بين الهوية الدينية والديمقراطية المدنية. فبينما يتشبث النظام في طهران بمبدأ «ولاية الفقيه» كمرجعية عليا في الحكم، اختار العراق منذ 2003 مسارًا مغايرًا يقوم على الفصل النسبي بين المرجعية الدينية وإدارة الدولة.
وفي تقرير نشره موقع “كريستان ساينس مونيتور” قال: في الحادي عشر من يناير الماضي، كان المشهد السياسي في بغداد يعكس ذلك التوازن الدقيق بين الرمزية الدينية وممارسة الحكم. فقد لجأ قادة سياسيون إلى المرجع الأعلى في النجف، آية الله العظمى علي السيستاني، طلبًا لدعمه مرشحًا لمنصب رئيس الوزراء، بعد أشهر من الخلافات بين القوى المتنافسة. غير أنّ ردّ السيستاني جاء حاسمًا في تجنب أي تدخل ديني مباشر في صناعة القرار السياسي، إذ أوضح في بيان مقتضب أنّ المرجعية «ترفض تقديم أو قبول أسماء مرشحين لهذا المنصب». واختتم رسالته بجملة تعكس حرصه على وحدة البلاد: «حفظكم الله».
ويقول التقرير: هذا الموقف لم يكن جديدًا على المرجع الشيعي الأعلى في العراق، الذي ما زال يؤكد أن التجربة الإيرانية القائمة على حكم رجال الدين لا تصلح لوطن متعدد المذاهب كالعراق. وقد قال سابقًا: «ما دمت حيًّا، لن تُستنسخ التجربة الإيرانية هنا». فبالنسبة له، الشعب هو صاحب القرار من خلال صناديق الاقتراع والدستور الذي اختاره بإرادته.
وتقول الصحيفة في تقريرها ان الفارق بين نهجي النجف وطهران لا يتوقف عند حدود الفكر الديني، بل يتصل مباشرة بمفهوم «الإسلام السياسي». فمنذ عقود، يمثل الخلاف بين السيستاني والمرشد الإيراني علي خامنئي وجهين لمدرستين متمايزتين: الأولى ترى في المرجعية مصدرًا روحيًا وإرشاديًا فقط، والثانية تعتبرها سلطة حاكمة تمتلك شرعية القيادة السياسية باسم الدين. هذه الجدلية الفكرية تركت آثارها الواضحة على مواقف الشارع في كلا البلدين.
وجاءت الاحتجاجات الأخيرة في إيران كما تقول الصحيفة لتكشف تحوّلًا عميقًا في وعي المجتمع تجاه علاقة الدين بالدولة. فقد اندلعت تظاهرات حتى في مدينتي قم ومشهد، وهما من أبرز المراكز الدينية الشيعية في البلاد، حيث قام محتجون بإحراق إحدى المدارس الدينية في مشهد، في خطوة رمزية غير مسبوقة. ووصفت وسائل إعلام محلية هذا الحدث بأنه «اختراق رمزي كبير في مدينة طالما اعتُبرت حصنًا منيعًا ضد أي نقد ديني».
ويربط كثير من الإيرانيين بين أزمة الاقتصاد وتغوّل السلطة الدينية في مفاصل الدولة. وتشير استطلاعات رأي حديثة إلى أن أغلبية المواطنين باتت تؤيد الفصل بين الدين والسياسة كشرط أساسي لتحقيق حكم رشيد ومساءلة فعالة.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن الموقف المتحفظ للسيستاني من التدخل السياسي منح العراق نموذجًا مختلفًا؛ فالنظام يقوم شكليًا على الديمقراطية، بينما تظل المرجعية الدينية في النجف ذات تأثير معنوي كابح يذكّر السياسيين بمسؤولياتهم الأخلاقية دون أن يتحول إلى سلطة فوق الدولة.
وبينما تتواصل التظاهرات في المدن الإيرانية، يعيد كثير من الشباب والمثقفين النظر في مفاهيم «الشرعية الدينية» و«القيادة الثورية»، متطلعين إلى تجربة جارة قريبة استطاعت أن توازن بين التدين والحرية السياسية. الرسالة التي يقرأها الإيرانيون اليوم من النجف لا تحتاج إلى تأويل طويل: الإيمان لا يعني احتكار الحكم، والدين حين يبقى فوق التجاذبات الحزبية يصبح ضمانًا للوحدة لا أداة للسلطة.
وفي نهاية المطاف، تحمل كلمات السيستاني «حفظكم الله» أكثر من دعاء؛ فهي تنطوي على دعوة إلى التعقّل، وتذكير بأن صون الأوطان يبدأ حين يتكامل صوت الشعب مع ضمير الإيمان، لا حين يختلط أحدهما بالآخر على حد تعبير الصحيفة.
اقرأ أيضاً:












