وطن -للمرة الأولى، يخرج الرئيس عبد الفتاح السيسي مخاطبًا جيلًا كاملًا بالاسم «جيل Z»، محذرًا إياه، وموجهًا مؤسسات الدولة إلى «تحصينه»، في توقيت بالغ الحساسية، يتزامن مع حراك إلكتروني شبابي متنامٍ ودعوات احتجاج متفرقة تطالب بعزله. خطاب لم يأتِ في فراغ، ولم يكن عابرًا أو تقليديًا، بل مثّل لحظة كاشفة عن قلق سياسي وأمني عميق من جيل أربك النظام وبدأ يدفعه للتحرك.
جيل Z، وفق هذا السياق، هو جيل لم يعايش أحداث ثورة 25 يناير 2011 ولا المذابح التي تلتها، لكنه نشأ في بيئة رقمية مفتوحة، تتيح له الوصول إلى الأرشيف، والمقارنة بين الروايات، وكشف التناقضات. جيل لا يستقي وعيه من الإعلام الرسمي، ولا يخضع للسردية الأحادية، بل يعتمد على التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والمنصات المغلقة نسبيًا مثل «ديسكورد»، إلى جانب شبكات تجاوز الحجب والرقابة.
ومن هنا تكمن الخطورة من منظور نظام السيسي. فتحذير الرئيس من التكنولوجيا الحديثة، والدعوة إلى «تحصين» الشباب من استخدامها، لم يأتِ منفصلًا عن هذا المشهد، بل يعكس خشية واضحة من أدوات كسرت احتكار الدولة للمعلومة، وسمحت بظهور نقاشات وتنظيمات خارج السيطرة الأمنية التقليدية. القلق الحقيقي لا يكمن في خروج هذا الجيل إلى الشارع، بقدر ما يكمن في وعيه المتشكل خارج الرواية الرسمية، وقدرته على الحركة والتنظيم في الفضاء الرقمي بلا قيادة واضحة ولا أدوات قمع مباشرة.
هذا الجيل لا يحمل ذاكرة الخوف نفسها، ولا يخضع بسهولة لخطاب التخويف من الفوضى وعدم الاستقرار، وهو ما يجعل هذا النمط من الفعل السياسي عصيًا على الاحتواء بالأدوات القديمة أو الإخضاع بالقمع المباشر. ومن هنا جاء الهجوم على التكنولوجيا، والتحذير من الذكاء الاصطناعي، والتلويح بتقييد استخدام الهواتف، وتمرير تشريعات بدعوى «حماية الأطفال»، بينما جوهرها الحقيقي هو ضبط الوعي العام، في وقت تغيّر فيه الواقع ولم تعد أدوات الأمس كافية أمام جيل يرى بعينه الخاصة ويقارن بلا خوف مسبق.
اقرأ أيضاً:












