وطن – في الدول الطبيعية، تُبنى التنمية عبر مؤسسات الدولة، أما في مصر فقد برز كيان واحد استحوذ على هذا الدور، وحوّل “التنمية” إلى غطاء لسلطة متضخمة: جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة. الجهاز بدأ كمشروع زراعي محدود، قبل أن يتحوّل بقرار رئاسي عام 2022 إلى سلطة شاملة تسيطر على الزراعة والغذاء والأراضي والتصنيع والعقار، بل وحتى الاستيراد من الخارج.
الجهاز خُلق بقرار من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وتضخّم بلا قانون، وتحصّن بلا رقابة. فهو يدير استثمارات بمليارات الدولارات، ويتملك أصولًا تُقدَّر بتريليونات الجنيهات، دون إخضاعها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات. وفي المقابل، تراجعت أدوار وزارات أساسية مثل الزراعة والتموين والاستثمار، لتتحول إلى واجهات صورية بلا قرار فعلي.
في قلب هذا التمدد يبرز اسم العقيد بهاء الغنام، رئيس الجهاز وأحد أكثر الضباط قربًا من السيسي. الغنام لا يظهر كمسؤول تنفيذي فحسب، بل كمركز قرار، يستقبل الوزراء، ويقود مفاوضات دولية، ويتصرف في أصول الدولة خارج أي رقابة. وآخر فصول هذا النفوذ تمثّل في نقل عشرات قطع الأراضي في محافظات حدودية وساحلية إلى الجهاز، دون إعلان مساحاتها أو قيمتها أو الجهة التي نُزعت منها، لتخرج من يد الدولة وتدخل كيانًا لا تدخل عوائده في الموازنة العامة.
الأخطر أن الجهاز تفاوض مباشرة مع روسيا على استيراد القمح، في سابقة تمس الأمن الغذائي، بعيدًا عن وزارات التموين والزراعة والخارجية. ما يحدث لم يعد مجرد توسع إداري أو إعادة توزيع صلاحيات، بل إعادة تشكيل للدولة نفسها. فحين تتركز الأرض والغذاء والاستثمار والقرار في يد جهاز واحد، لا يُسأل ولا يُحاسَب، تتحول الدولة إلى غطاء رسمي لسلطة موازية، ويُكتب مستقبل مصر خارج مؤسساتها، وخارج موازنتها، وخارج إرادة شعبها.
اقرأ أيضاً












