وطن-على الرغم مما تسرّب من توقعات خلال الأشهر الماضية حول قرب إعلان اتفاق سلام بين المغرب والجزائر، لم يصدر حتى مطلع فبراير/شباط 2026 أي إعلان رسمي بهذا الخصوص. غير أنّ الحركة الدبلوماسية الهادئة التي تقودها الولايات المتحدة توحي بأن واشنطن اختارت طريق التدرج والتهيئة بدل الاندفاع نحو إعلان لم تنضج ظروفه بعد.
ففي الوقت الذي تترقب فيه المنطقة أي تقارب محتمل بين الجارين المغاربيين، تعمل الدبلوماسية الأمريكية على إدارة التوترات بخطوات صغيرة لكنها مدروسة، بهدف خلق مناخ يسمح بالحوار مستقبلاً بين الرباط والجزائر، ضمن رؤية أوسع ترعاها الأمم المتحدة.
القرار 2797… محطة مفصلية في مسار الصحراء
جاءت هذه التحركات بعد تبنّي مجلس الأمن في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025 القرار رقم 2797، الذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب عام 2007 أساساً واقعياً لمفاوضات الحل بين الأطراف المعنية، وهي المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا.
هذا وقد مثّل القرار منعطفاً بارزاً في الجهود الأممية لحلحلة أحد أكثر النزاعات تعقيداً في شمال إفريقيا، إذ أضفى على المقاربة المغربية بعداً دولياً متزايد القبول باعتبارها خياراً عملياً لتحقيق الاستقرار الإقليمي.
لكنّ مرور المدة الزمنية التي توقّعتها الإدارة الأمريكية قبل صدور إعلان السلام – أي خلال ستين يوماً من اعتماد القرار – من دون توقيع اتفاق فعلي، كشف محدودية النضج السياسي في هذا الملف، ودفع واشنطن إلى تبنّي سياسة تدرّج جديدة لإعداد الظروف المناسبة قبل بدء مفاوضات جادّة.
واشنطن بين الرباط والجزائر… رسائل ومقاربة جديدة
في ضوء ذلك، حملت زيارة المستشار الأمريكي لشؤون إفريقيا والعالم العربي، موسى فواز، إلى الجزائر في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، مدلولات تتجاوز اللقاءات البروتوكولية. فقد أكد فواز خلال مباحثاته الرسمية على “الالتزام المشترك بتعزيز التعاون، لاسيما في مجالي الأمن الإقليمي والسلام”، وهو تصريح يعكس توجه الولايات المتحدة نحو تقليص التوتر بين الجزائر والمغرب بما يخدم تنفيذ بنود القرار 2797.
ويُقرأ هذا المسار ضمن استراتيجية أمريكية مزدوجة: تعزيز دعمها للمبادرة المغربية من جهة، وإدارة الخلاف المغربي الجزائري بهدوء من جهة أخرى، بعيداً عن التصعيد أو فرض حلول سريعة قد تهدد فرص التفاهم المستقبلي.
وترى الأوساط الدبلوماسية أنّ واشنطن تنطلق في هذا من قناعة مفادها أن استقرار شمال إفريقيا شرط رئيسي لحماية مصالحها في ظل تزايد التنافس الدولي وتشكل تحالفات براغماتية جديدة في المنطقة.
الدبلوماسية الأمريكية: توازن بين الدعم والمناورة
تُظهر متابعة الأشهر الأخيرة أن الولايات المتحدة اعتمدت نهجاً تدريجياً واضح المعالم. البداية كانت من خلال طرح مشروع قرار أمام مجلس الأمن في أكتوبر/تشرين الأول 2025 يؤيد المقترح المغربي، ثم دعم القرار الأممي النهائي، وبعده الاستمرار في التأكيد على مبادرة الحكم الذاتي في تصريحات مسؤوليها المتكررة.
ومن الجدير بالملاحظة أن واشنطن ربطت هذا الموقف بسلسلة تحركات دبلوماسية متزامنة، أبرزها تعيين سفير جديد لها في الرباط بالتوازي مع انتهاء مهام سفيرتها في الجزائر، في خطوة اعتبرها متابعون جزءاً من إعادة ترتيب الأدوار بما يتماشى مع المرحلة القادمة التي يطغى عليها ملف الصحراء الغربية.
نحو توافق أوسع واستقرار ممكن
لم يصدر إذن إعلان سلام بين المغرب والجزائر حتى الآن، لكن إدارة الملف تمضي بهدوء في مسار تصاعدي يجمع بين أدوات الضغط السياسي والتحرك الدبلوماسي غير المعلن.
ويبدو أن دعم واشنطن لمقترح الحكم الذاتي المغربي بات يحظى هذه المرة بإسناد أوروبي متزايد، ما يعزّز إمكانية تشكّل توافق دولي أوسع حول هذه الصيغة باعتبارها الحل الواقعي الأقرب لإنهاء النزاع المستمر منذ عقود.
لا يعني السلام المؤجل بين المغرب والجزائر غيابه في المستقبل، بل يشير إلى تحوّل في طرق الوصول إليه. فالمسار الأممي، بدعم أمريكي وأوروبي، يسعى إلى تحويل الصراع المزمن إلى فرصة لاستقرار طويل الأمد في شمال إفريقيا.
وربما يكون الدرس الأهم من هذه المرحلة أن بناء السلام ليس إعلاناً احتفالياً، بل عملية هادئة تبدأ من الثقة وتُبنى بالتدرج، خطوةً بعد أخرى، نحو مستقبل تُغلب فيه المصالح المشتركة على الخلافات التاريخية.
اقرأ المزيد
ترامب يسعى لتوقيع اتفاق سلام بين المغرب والجزائر خلال 60 يومًا












