وطن-كثيراً ما يمرّ الإنسان بلحظات يلمح فيها وجهاً مألوفاً في مكان غير متوقّع على غرار، واجهة سيارة، أو في مأخذ كهربائي، أو حتى على قطعة خبز محمّصة أو جدار منزل قديم. للحظة وجيزة، يتردّد الإنسان بين الدهشة والضحك، ثم يتبيّن له أن ما رآه ليس سوى خدعة بصرية بريئة نسجها الدماغ في سعيه الدائم لإيجاد معنى في كل ما يحيط بنا.
هذا التفاعل ليس توهماً ولا نتيجة إرهاق بصري، بل ظاهرة علمية حقيقية موثقة تُعرف باسم الباريدوليا (Pareidolia) — وهي ميل الدماغ البشري للتعرّف على أنماط مألوفة، ولا سيما الوجوه، وسط صور أو أشياء عشوائية لا تتضمّن فعليّاً ملامح بشرية.
كيف يصنع الدماغ وجوهاً من لا شيء
يعمل الدماغ البشري كآلة بحث مستمرة عن النظام داخل الفوضى، فهو لا ينتظر اكتمال الصورة حتى يستخلص معناها، بل يكوّن الانطباع الأولي اعتماداً على إشارات بسيطة: نقطتان وخط صغير قد تكفي لإحداث استجابة عصبية تُفعّل منطقة التعرّف على الوجوه. هذا الانحياز المعرفي الراسخ فينا منذ الطفولة يجعل الدماغ يفضّل الخطأ برؤية وجهٍ حيث لا يوجد، على أن يغفل عن وجه حقيقي.
جذور تطورية لمهارة قديمة
يوضح علماء الأعصاب أن هذه الاستجابة لم تأتِ صدفة، بل تطوّرت عبر آلاف السنين باعتبارها آلية دفاعية. ففي بيئات الأسلاف، كان التعرّف السريع على الوجوه – سواء لعدوّ أو صديق – مسألة حياة أو موت. رؤية وجه في ظلال الأشجار وإن كانت خادعة، أقل ضرراً بكثير من تجاهل حضور مفترس أو إنسان آخر في الجوار. لذلك أصبح الدماغ مهيأً لاكتشاف ملامح الوجه في أدق تفاصيل الطبيعة وحتى في الجمادات.
عندما تبتسم الماكينة وتغضب السيارة
ما نراه اليوم من “وجوه” على السيارات أو “تعابير” على الأبنية ليس إسقاطاً خيالياً بقدر ما هو استمرار لذلك الموروث العصبي. فحين يلمح الدماغ توزيعاً معيناً للخطوط أو الفتحات يشبه العينين والفم، يُكمِل الصورة تلقائياً ويمنحها طابعاً إنسانياً، من دون أن يفكّر إذا كانت تلك الملامح قابلة للحركة أو الإحساس. ولهذا يشعر البعض بأن بعض الأشياء تبدو ساخطة أو ضاحكة أو وديعة لمجرد أن شكلها يوحي بذلك.
الإبداع والخيال يزيدان احتمالات الظاهرة
دراسات حديثة تشير إلى أن الأشخاص ذوي الحس الإبداعي أو البصري القوي، كالفنانين والمصممين والمصورين، يعيشون هذه الظاهرة بوتيرة أكبر من غيرهم. فهم أكثر استعداداً لالتقاط الأنماط واستخراج الرموز من التفاصيل الدقيقة، الأمر الذي يثري قدرتهم على الربط والتأويل. غير أن العلماء يؤكدون أن الأمر لا يشير إلى أي خلل نفسي أو إدراكي، بل يعكس مستوى عالياً من التفاعل الذهني مع البيئة المحيطة.
الوجه في كل مكان… والإنسان في المركز
في النهاية، حين يخيل إليك أن المِقبس “ينظر” إليك أو أن الغيمة “تبتسم”، تذكّر أن دماغك لا يخدعك بل يقوم بوظيفته الطبيعية وهي: البحث عن الوجوه، وقراءة الإشارات، وربط الفوضى بمعنى مألوف يمنحك شعوراً بالأمان. إنها واحدة من أقدم وأذكى أدوات الإنسان لفهم العالم — دليل آخر على أن قدرتنا على “رؤية وجه في كل مكان” ليست وهماً، بل سمة إنسانية أصيلة تربطنا بجذورنا وبحدسنا الأول نحو البقاء.
اقرأ المزيد
أغرب 10 تقاليد للشعوب ستصدمك.. عادات في دول أجنبية قد تبدو لك غريبة
لماذا تنخفض سرعتنا بمجرد بدء الكلام في السيارة؟ اكتشف نتائج أحدث دراسة علمية
بدون دفع دولار إضافي.. حيلة ذكية يتبعها خبراء السفر للحصول على غرفة فندق فاخرة












