وطن-في مشهد يعيد تسليط الضوء على واحدة من أكثر القضايا الأمريكية إثارة للجدل، عاد اسم رجل الأعمال الأمريكي الشهير ليز ويكسنر – البالغ من العمر 88 عامًا ومؤسس مجموعة “إل براندز” التي تضم علامات تجارية مثل فيكتوريا سيكرت وأبركرومبي آند فيتش – إلى الواجهة بعد مثوله أمام لجنة الرقابة في الكونغرس الأمريكي للإدلاء بإفادته حول علاقته بالمستشار المالي الراحل جيفري إبستين.
بداية القصة: ثقة تحولت إلى خديعة
في بيان خطي قُدم إلى اللجنة قبل جلسة الاستجواب في منزله بولاية أوهايو، قال ويكسنر إنه وقع ضحية “خداع من الدرجة الأولى” على يد إبستين، الذي وصفه بأنه “محترف في الاحتيال” استطاع كسب ثقته لسنوات. وأضاف:
“كنت ساذجًا ومغرورًا عندما وثقت بإبستين، لكنه خدعني. ومع ذلك، لم أرتكب أي خطأ، ولا شيء لديّ لأخفيه”.
ويؤكد ويكسنر أنه لم يكن على علم بجرائم الاستغلال الجنسي التي ارتكبها إبستين ضد فتيات قاصرات، نافياً أي صلة له أو لعائلته بتلك الانتهاكات.
من شراكة مالية إلى نزاع علني
تعود بداية العلاقة بين الرجلين إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حينما كان ويكسنر في أوج نجاحه التجاري بعد أن حوّل متجره الصغير في كولومبوس إلى إمبراطورية تجزئة ضخمة تضم أشهر الماركات في الأسواق الأمريكية. في تلك الفترة، التقى إبستين عبر وسيط مالي، وسرعان ما حظي بثقة ويكسنر ليصبح المشرف على ثروته وإدارة ممتلكاته.
في عام 1991، منح ويكسنر إبستين تفويضاً رسمياً يتيح له إجراء صفقات واستثمارات باسمه، وتولى إبستين تطوير عدد من العقارات ضمن ممتلكات عائلة ويكسنر في نيو ألباني. كما وصفه ويكسنر في مقابلة صحفية عام 2003 بأنه “صديق مخلص وذو حكم راجح”، قبل أن تتبدد الثقة لاحقاً بعد اكتشاف مخالفات مالية جسيمة.
خيانة مالية ونهاية مريرة
وفق وثائق قضائية حديثة، اكتشف ويكسنر وزوجته أبيغيل أن إبستين استولى على “مبالغ طائلة” من ثروتهما خلال فترة إدارته المالية. وأكد محاموه في تحقيق عام 2008 أن إبستين أعاد نحو 100 مليون دولار فقط، وهي مجرد جزء مما اختلسه. بعد ذلك، أنهى ويكسنر علاقته به بالكامل وألغى صلاحياته القانونية، بحسب ما جاء في رسالة وجهها لاحقاً لمؤسسة “ويكسنر الخيرية”.
مع ذلك، تكشف وثائق وزارة العدل التي أُفرج عنها مؤخراً أن التواصل بين الطرفين لم ينقطع تماماً حتى عام 2008، حين بعث ويكسنر بريداً إلكترونياً لإبستين بعد صدور اتفاق التسوية الذي سمح له بقضاء 13 شهرًا في السجن على خلفية اتهامات باستغلال قاصر. كتب ويكسنر حينها: “لقد خالفت قاعدتك الأولى… أن تكون دائمًا حذرًا”.
ظلّ الشبهات يتجدد
على الرغم من عدم توجيه أي اتهام رسمي إلى ويكسنر، فإن اسمه ورد أكثر من ألف مرة في ملفات إبستين، الأمر الذي يبرره المتحدث باسمه، توم ديفيز، بطبيعة العلاقة الطويلة بين الطرفين. وأوضح ديفيز أن الوثائق الأخيرة تتضمن “ادعاءات غريبة وغير واقعية” كتبها إبستين بعد قطع علاقته بويكسنر، معتبراً أنها تعكس “محاولات يائسة لتبرير سلوكه الإجرامي”.
في المقابل، تزعم إحدى الضحايا البارزات لإبستين، فيرجينيا جوفري، في شهادات قضائية أن ويكسنر كان ضمن الشخصيات التي تم استغلالها في إطار شبكة إبستين، وهو ما نفاه الأخير بشكل قاطع مؤكداً أنه لم يلتقِ بها يوماً.
ضغوط متصاعدة واتهامات بالمسؤولية المعنوية
وجاءت الإفراجات الجديدة للوثائق لتفتح الباب أمام مطالبات إضافية بمساءلة رمزية لويكسنر، لا سيما من قبل ناجيات من حالات استغلال جنسي أخرى في أوهايو. مجموعة من خريجي جامعة ولاية أوهايو – التي كان ويكسنر عضواً في مجلس أمنائها خلال فترة ارتكاب الطبيب الراحل ريتشارد ستراوس انتهاكات جنسية بحق أكثر من 170 طالبًا – تقدمت بطلب لحذف اسمه من منشأة رياضية في الحرم الجامعي تحمل اسمه.
وقد سمح قاضٍ أمريكي مؤخراً باستدعائه للإدلاء بشهادته في الدعوى القضائية التي رفعها الضحايا ضد الجامعة، مما يعيد طرح تساؤلات حول دور الشخصيات النافذة ومسؤولياتها الأخلاقية في محيط شاركت فيه شخصيات متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة.
ما بين التبرير والمساءلة
يحرص ويكسنر اليوم على الدفاع عن سمعته التي شابتها هذه الارتباطات، مؤكداً أنه عاش حياته ملتزماً بالقيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية. لكنه في الوقت نفسه، يعترف بأن قراره الوثوق بإبستين كان خطأ فادحاً كلفه الكثير من ماله وسمعته.
واختتم ويكسنر بيانه أمام لجنة الكونغرس قائلاً إنه يسعى إلى “تصحيح الصورة أمام الرأي العام” وتنقية اسمه من الإشاعات التي وصفها بأنها “جارحة وبلا أساس”.
تُبرز هذه القصة، التي تجمع بين عالم المال والنفوذ والفضيحة، كيف يمكن للثقة المفرطة أن تتحول إلى مأساة تترك أثرها على سمعة الكبار قبل الصغار. كما تثير تساؤلات حول المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق رجال الأعمال حين يتقاطع نفوذهم مع سلوكيات مشبوهة، حتى وإن لم يكونوا شركاء مباشرين فيها. في النهاية، تبقى الحقيقة المطلوبة ليست مجرد بيانات تنفي أو تؤكد، بل دروسًا في الحذر والمساءلة لمجتمع يبحث عن العدالة والشفافية.
اقرأ أيضاً
نباتات سامة وعقاقير مريبة.. إبستين استفسر عن نباتات سامة تُستخدم في عمليات “غسيل الدماغ”
هل خُدع العالم؟ “شركاء إبستين” ليسوا سياسيين كباراً بل مجرد أشخاص عاديين!












