وطن-في شباط/فبراير 2026، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بصور مثيرة للجدل نُسبت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب برفقة فتيات صغيرات، مع مزاعم بأن هذه الصور مأخوذة من ملفات قضية جيفري إبستين التي زُعم أن بعض الدول – من بينها فرنسا – حصلت على نسخ غير منقحة منها. وسرعان ما تحولت هذه المنشورات إلى مادة واسعة الانتشار، حصدت ملايين المشاهدات وأثارت جملة من التساؤلات حول مدى صحتها ومصدرها الحقيقي.
موجة ادعاءات بلا دلائل
بدأت القصة عندما نشر أحد مستخدمي منصة “Threads” – يُعرف باسم “@bodycoachderek” – منشورًا في الخامس من فبراير 2026 يحذّر فيه من أن “دولًا أخرى تنشر ملفات إبستين دون تنقيح”. وأرفق المنشور صورتين يُزعم أنهما تُظهران ترامب مع فتاتين صغيرتين. وسرعان ما انتشرت هذه الصور على نطاق واسع عبر منصات أخرى، خاصة على منصة “إكس”، حيث كرر مستخدمون مزاعم مفادها أن فرنسا تملك النسخ الكاملة من ملفات إبستين، بزعم أن ترامب قادر على التأثير في وزارة العدل الأميركية، لكن لا سيطرة له على الدول الأخرى. أحد هذه المنشورات حصد قرابة أربعة ملايين مشاهدة.
خلفية الملفات
تعود جذور القضية إلى ديسمبر 2025 حين بدأت وزارة العدل الأميركية بنشر أجزاء من ملفات إبستين استجابةً لمطالبات عامة بزيادة الشفافية. لكن تلك الملفات كانت منقحة بشدة، وفق ما أوضحته الوزارة على موقعها الرسمي، لحماية هويات الضحايا والشهود. ومنذ ذلك الحين، لم يُعلن رسميًا عن أي نسخ غير منقحة، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
ردود رسمية تنفي الادعاءات
عقب انتشار المزاعم، تمت مخاطبة وزارة العدل الأميركية للتأكد من وجود أي تعاون أو تبادل للملفات مع دول أخرى. وردّ مسؤول رسمي في الوزارة مؤكدًا أن “الوزارة لم تشارك الملفات مع أي دولة، وأن الصور المنتشرة للرئيس مزيفة بالكامل”. أما وزارة العدل الفرنسية، فلم تُصدر أي تصريح رسمي بهذا الخصوص حتى موعد إعداد هذا التقرير.
تمحيص تقني… والخيط يقود إلى الذكاء الاصطناعي
المراجعة الدقيقة للصور التي استُخدمت لدعم الرواية المزعومة كشفت عن مؤشرات تقنية تدل على توليدها عبر الذكاء الاصطناعي. فقد بدت الإضاءة غير طبيعية، وظهرت ملامح غير متناسقة على الوجوه، منها تفاوت حجم العينين وتكرار الظلال بشكل غير واقعي. إحدى الصور كانت مأخوذة من لقطة لشاشة منشور على “تيك توك”، إلا أنه لم يُعثر على النسخة الأصلية هناك. كما تبيّن أن ملامح الأطفال في الصورتين تتشارك سمات مكررة، وهي سمة شائعة في الصور المولدة آليًا.
فراغ إعلامي وتضليل رقمي
لم يُظهر البحث اشامل على الإنترنت، بما في ذلك محرك “غوغل”، أي نتائج تفيد بأن فرنسا أو أي دولة أوروبية نشرت ملفات إبستين بنسختها الكاملة. النتائج اقتصرت على تقارير أميركية حول مراجعة بعض المشرعين الأميركيين لملفات غير منقحة تحت إشراف حكومي، إلى جانب تقارير عن قضايا أوروبية مشابهة تتعلق بشخصيات سياسية مرتبطة بإبستين. ولو كانت مزاعم “النشر غير المنقح” صحيحة، لكانت وسائل الإعلام الموثوقة قد غطّت الخبر فورًا، وهو ما لم يحدث إطلاقًا.
اللافت أن الحساب الذي أطلق الادعاء الأول لم يكن ذا خلفية إعلامية أو مؤسسية، بل بدا أنه يعود لمدرّب لياقة من منطقة سياتل، وينشر محتوى سياسيًا منحازًا بشدة ويتضمن استخدامًا واضحًا لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
ما وراء الصورة… دعوة للتثبّت
خلاصة الأمر أن جميع الأدلة المتوفرة تشير إلى أن أي حديث عن “إفراج دول أجنبية عن ملفات إبستين غير المنقحة” لا يستند إلى أساس واقعي. وزارة العدل الأميركية نفت ذلك، ولا توجد إشارات رسمية من أي دولة أخرى تؤكد صحة الادعاء. أما الصور المرتبطة بالقضية، فتظهر عليها أدلة قوية على أنها مصنوعة رقمياً.
إن انتشار هذه الرواية يذكّر بخطورة تداول المعلومات غير الموثقة، خصوصًا في القضايا الحساسة التي تمس الأفراد أو الشخصيات العامة. لذلك تبقى القاعدة الذهبية هي التحقق قبل التصديق، والعودة إلى المصادر الرسمية والإعلامية الموثوقة قبل إعادة النشر أو التفاعل مع أي محتوى مثير للريبة، مهما بدا واقعيًا في الظاهر.
اقرأ المزيد
خطأ بايدن التاريخي.. لماذا كان عليه كشف “صندوق إبستين الأسود” للعلن؟
خدعني بذكاء..صديق إبستين المقرب ليس ويكسنر “كنت ضحية لمحتال محترف تلاعب بثروتي وعقلي”












