وطن-في خطوة تُبرز تحوّلاً لافتاً في خريطة التحالفات الإقليمية، تتجه المملكة العربية السعودية إلى ضخ استثمارات بمئات الملايين من الدولارات في مشاريع ألياف ضوئية داخل سوريا، في مسعى لتحويل مسار الربط الرقمي بين الخليج وأوروبا بعيداً عن إسرائيل، وبما يعزز موقع دمشق على خارطة الاتصالات الدولية بعد عزلة دامت أكثر من عقد.
رؤية جديدة لربط الخليج بالمتوسط
تسعى الرياض إلى أن تكون سوريا نقطة عبور رئيسية في مشروع الربط الرقمي المسمّى «ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط» (East to Med Data Corridor – EMC)، وهو مشروع انطلق في عام 2022 بالشراكة بين شركة الاتصالات السعودية (STC)، ومؤسسة الكهرباء العامة في اليونان (PPC)، وعدد من الشركات التقنية والاتصالات اليونانية. ويهدف المشروع إلى مد كابلات تحت البحر والأرض لنقل البيانات بسرعة الضوء بين الشرق الأوسط واليونان، تمهيداً لربطها بأوروبا.
وتُعد الألياف الضوئية العمود الفقري للاقتصاد الرقمي العالمي، إذ تنقل الخدمات الرقمية بين الدول في أجزاء من الثانية، ويكتسب هذا القطاع أهمية متزايدة مع توسع دول الخليج في إنشاء مراكز بيانات مخصصة للذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية والتحليل الرقمي.
مسار جديد يغيّر المعادلة
بينما كانت الخطط الأولى تقضي بأن يمر المشروع عبر إسرائيل، تكشف المداولات الأخيرة عن إصرار سعودي على اختيار سوريا كبديل استراتيجي. وقال مسؤولون إقليميون إن هذا التحول يعكس رغبة المملكة في إعادة دمج دمشق في محيطها العربي والإقليمي، وقطع أي تبعية تكنولوجية أو اقتصادية مع إسرائيل.
ويرى باحثون أن هذا التحول يتناغم مع ما وصفوه بـ«إعادة ترتيب العلاقات» في المنطقة، خصوصاً بعد أن وجه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان انتقادات حادة لإسرائيل، واتهمها علناً بارتكاب «إبادة جماعية» في غزة، حيث تجاوز عدد الضحايا الفلسطينيين 72 ألفاً. هذا الموقف ترافق مع خلافات سعودية ـ إماراتية حول الملفات الساخنة في اليمن والسودان والبحر الأحمر.
تحركات يونانية وحسابات دقيقة
من جانبها تنظر اليونان، إلى المشروع كفرصة لترسيخ موقعها بوصفها بوابة الطاقة والاتصالات بين الشرق الأوسط وأوروبا. فقد كثفت أثينا جهودها لجذب الاستثمارات الخليجية، من قطر والإمارات والسعودية على وجه الخصوص، غير أنها تحافظ في الوقت ذاته على شراكة استراتيجية مع إسرائيل تراها ضرورية لموازنة النفوذ التركي في شرق المتوسط وللحفاظ على دعم واشنطن في تلك المنطقة الحساسة.
أظهر تقرير صادر عن شركة الكهرباء اليونانية في نوفمبر 2025 أظهر أن الخطوط المرسومة للممر ما زالت تمر عبر إسرائيل ومياهها الإقليمية، ما يشير إلى أن إدخال سوريا في المسار يمثل مقترحاً جديداً قد يبدّل الكثير من الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية.
استثمارات سعودية في البنية الرقمية السورية
أعلنت في فبراير 2026، شركة الاتصالات السعودية نيتها استثمار نحو 800 مليون دولار في تحديث البنية التحتية للاتصالات داخل سوريا، مشيرة إلى أن المشروع سيعمل على «ربط سوريا إقليمياً ودولياً عبر شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4500 كيلومتر». وتعد هذه المبادرة واحدة من أكبر الاستثمارات الأجنبية في قطاع الاتصالات السوري منذ اندلاع الحرب عام 2011.
ويرى خبراء أن الرياض تستخدم قوتها الاستثمارية لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في المنطقة، ودعم حلفاء جدد في ظل تنافس متصاعد مع كل من الإمارات وإسرائيل. ويقول أحد المسؤولين الغربيين المطلعين على تحركات المملكة إن «الرياض ترى في دمشق مركزاً محتملاً لشبكات الطرق والسكك والكابلات التي ستربط العالم العربي بأوروبا».
توترات الماضي وانعطافة الحاضر
كانت المفاوضات بين السعودية والولايات المتحدة في عام 2022 تتجه نحو اتفاق تطبيع مع إسرائيل، إلا أن تلك المساعي انهارت عقب هجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حركة حماس، وما تبعها من حرب إسرائيلية على غزة توصف دولياً بأنها إبادة جماعية، إضافة إلى توسع القتال ليشمل لبنان وسوريا وإيران.
غيّرت تلك التطورات وفق محللين، مسار التفكير في الرياض، فباتت المملكة تميل إلى مقاربة إقليمية تُبعدها عن أي ارتباط مباشر بإسرائيل، وتعيد ترتيب خطوط التعاون مع دول الجوار وفق أولوياتها المستقلة.
آفاق اقتصادية جديدة نحو أوروبا
تشهد أوروبا هي الأخرى تحولاً في خريطة الموانئ المستقبلة للكابلات القادمة من الشرق. فبينما ظلت مدن مثل مرسيليا وجنوة مراكز رئيسية لرسو الكابلات البحرية لعقود، تنتقل الأنظار اليوم إلى الموانئ الشرقية، وعلى رأسها اليونان وتركيا، التي تسعى للاستفادة من زخم الاستثمارات القادمة من الخليج وآسيا.
ويُعتبر مشروع الممر الشرقي – المتوسطي واحداً من أكثر المشاريع الواعدة مقارنة بمشروعات أخرى في المنطقة تعثرت، مثل خط الغاز الثلاثي بين اليونان وقبرص وإسرائيل، وكابل «الوصل الكبير عبر البحر» الذي كان يطمح إلى ربط الدول ذاتها بشبكة كهرباء مشتركة.
ولتشجيع التنفيذ، وقع بنكان سعوديان ويونانيان اتفاقاً لتمويل 60% من تكلفة المشروع، فيما أُبرم عام 2023 عقد مع شركة «ألكاتيل للاتصالات البحرية» لتصميم وبناء كابلين بحريين وأرضيين يربطان الشرق بالمتوسط.
تكنولوجيا تجمع ولا تفرق
تعكس هذه التحركات رغبة سعودية في صياغة مشهد إقليمي جديد يعتمد على الاقتصاد الرقمي كأداة نفوذ ووسيلة تواصل بين الشعوب، لا كساحة تنافس سياسي. فبين خطوط الألياف الضوئية الممتدة من الخليج إلى المتوسط، ترسم المنطقة ملامح حقبة يكون فيها الاتصال السريع رمزاً للتقارب، لا ساحة جديدة للصراع.
اقرأ المزيد
تصعيد غير مسبوق بين السعودية والإمارات حول سوريا واليمن يكشف تصدع التحالف الخليجي
بين “الخلاف والتحالف”.. لماذا باعت “موانئ دبي” حصة من ميناء جدة السعودي في هذا التوقيت؟












