وطن-تعود منطقة الشرق الأوسط مرة أخرى إلى قلب العاصفة، إذ يشهد الإقليم تصعيدًا غير مسبوق بعد الهجوم المشترك الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، في خطوة اعتبرها مراقبون تحولًا جذريًا في موازين القوى الإقليمية وتحديًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي. ومع اتساع رقعة المواجهات، تتزايد المخاوف من أن تكون هذه الحرب بداية لمرحلة طويلة من الفوضى السياسية والاقتصادية في المنطقة والعالم.
الشرارة التي أشعلت الأزمة:
في مطلع مارس 2026، تحولت التوترات المستمرة منذ سنوات إلى مواجهة مباشرة حين اشتركت القوات الأمريكية والإسرائيلية في هجوم واسع على أهداف في إيران. هذه العملية مثّلت أول تفويض أمريكي مباشر لإسرائيل بشنّ حرب كاملة خارج حدودها، في سابقة لم يقدم عليها أي رئيس أمريكي سابق، لا في عهد جورج بوش بعد غزو العراق ولا خلال إدارة باراك أوباما التي فضلت نهج الدبلوماسية والتفاوض.
التقارير تشير إلى أن هذه الحملة العسكرية ليست عملية محدودة، بل تهدف إلى إضعاف النظام الإيراني وربما إسقاطه، في محاولة لإعادة رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.
خلفية تاريخية ومعضلة الشرعية:
شنّت إسرائيل حربها الأخيرة على إيران بذريعة “التهديد الوجودي”، مبرّرة خطواتها بالدفاع عن أمنها القومي. غير أن مراجعة المسار التاريخي للعلاقات بين البلدين تكشف واقعا مختلفًا: فإيران، على الرغم من تعرضها لسنوات طويلة من العقوبات والضغوط الدولية، التزمت بالإشراف الدولي على برنامجها النووي المدني حتى انسحاب واشنطن الأحادي من الاتفاق في عهد دونالد ترامب، بتحريض مباشر من بنيامين نتنياهو.
كما يذكّر المراقبون بأن طهران لم تبادر يومًا إلى مهاجمة دولة أخرى، في حين خاضت إسرائيل منذ تأسيسها حروبًا متعددة ضد جيرانها، وظلت تمارس سياسة توسعية مع احتفاظها بترسانة نووية خارج إطار معاهدة حظر الانتشار.
من حرب الأيام الاثني عشر إلى الانفجار الحالي:
تعود جذور التصعيد الأخير إلى يونيو 2025، حين اندلعت ما عُرفت بـ“حرب الأيام الاثني عشر” بين إسرائيل وإيران، بدعم لوجستي أمريكي كامل. تلك الحرب لم تُضعف طهران كما أراد مخططوها، بل عززت تماسك النظام الإيراني بعد تعرض الأراضي الإسرائيلية لهجمات غير مسبوقة. واليوم، بدا أن واشنطن وتل أبيب قررتا المضي أبعد من مجرد مواجهة محدودة.
المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي سقط قتيلًا خلال الهجوم المشترك، ما تسبب في فراغ سياسي هز أركان السلطة بطهران وفتح الباب أمام احتمالات غامضة لمستقبل الحكم في البلاد.
ارتدادات إقليمية واسعة:
لم تقف تداعيات الحرب عند حدود إيران. فمع اتساع نطاق العمليات، تعرضت دول عربية عدة، من بينها الأردن وقطر والبحرين والكويت والإمارات والسعودية، لهجمات صاروخية مصدرها طهران، طالت مناطق مدنية وقواعد عسكرية أمريكية. هذه التطورات رفعت منسوب التوتر في الخليج إلى مستوى غير مسبوق، ما يهدد بتحويل الصراع إلى مواجهة إقليمية شاملة.
الاقتصاد العالمي على صفيح ساخن:
الانعكاسات الاقتصادية جاءت سريعة. فقد أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز بعد اعتباره منطقة حرب، وهو الممر المائي الذي يمرّ عبره نحو 20 في المائة من إنتاج النفط العالمي. هذا القرار دفع بأسعار الخام إلى الارتفاع الحاد ليصل البرميل إلى 130 دولارًا، فيما هبطت أسعار العملات الرقمية وبدأت موجة تضخّم عالمية تهدد اقتصادات الشرق والغرب على حدّ سواء.
هذه التطورات أعادت للأذهان هشاشة الاعتماد العالمي على الطاقة القادمة من الخليج التي تمثل شريان الاقتصاد الدولي، في وقت يتخوّف فيه المستثمرون من اضطرابات تمتد إلى الأسواق المالية في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة.
الموقف الأوروبي وصمت العواصم الغربية:
في أوروبا، اكتفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالصمت تجاه الهجوم، متجنبة إدانة الانتهاك الواضح للقانون الدولي. هذا الموقف عرّض الاتحاد الأوروبي لانتقادات واسعة، إذ يُنظر إلى موقفه على أنه انحياز ضمني لواشنطن وتل أبيب، رغم إدراكه أن التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب ستقع في المقام الأول على القارة العجوز التي ستواجه مجددًا أزمة طاقة خانقة وإمكان موجة نزوح جديدة من الشرق الأوسط.
تؤكد مجريات الأحداث أن الحروب في الشرق الأوسط لا تُعيد ترتيب السلام بقدر ما تخلق دوامات جديدة من العنف والمعاناة. فكل تدخل عسكري يترك إرثًا من الكراهية والانقسام، وكل حسابات القوة تنتهي بخسائر إنسانية فادحة. وبينما يتسابق الساسة على فرض خرائط جديدة، يبقى المواطن العادي — سواء في طهران أو غزة أو بيروت أو تل أبيب — من يدفع الثمن الأكبر.
لقد أثبتت التجارب أن الأمن الحقيقي لا يُبنى على فوهة البندقية، بل على احترام القانون الدولي، وإرادة الشعوب في تحقيق سلام عادل ودائم.
اقرأ المزيد
لماذا هاجموا إيران يوم السبت.. ونهارًا؟!
لندن تخرج عن صمتها: المشاركة في ضرب إيران باتت خياراً مطروحاً
تصعيد خطير: غارات أمريكية إسرائيلية تستهدف طهران ومدناً إيرانية وإيران تتوعد برد ساحق












