وطن-لم تكن فاطمة رجواني، الطالبة البريطانية ذات العشرين عامًا، تتخيل أن عيد ميلادها العشرين سيقودها إلى واحدة من أكثر التجارب قسوة في حياتها. ففي صيف عام 2024، وجدت نفسها في قلب قضية مثيرة للجدل بعد اقتحامها، مع مجموعة من الناشطين، مصنعًا بريطانيًا مملوكًا لشركة “إلبِت سيستمز” الإسرائيلية المتخصصة في صناعة الأسلحة.
من طالبة هادئة إلى ناشطة محتجزة
نشأت فاطمة في لندن وسط عائلة متماسكة، ولم تكن لها اهتمامات سياسية تُذكر، باستثناء بعض المظاهرات التي شاركت فيها مع والدتها. غير أن العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر 2023 غيّر مسار حياتها تمامًا، حين بدأت تتابع عبر هاتفها صور الدمار والمعاناة، لتجد نفسها عاجزة عن تجاهل ما يجري.
تقول فاطمة إن شعور العجز قادها تدريجيًا إلى الرغبة في اتخاذ موقف، موضحة أن إدراكها لدور شركة “إلبِت سيستمز” في تطوير تكنولوجيا الأسلحة الإسرائيلية جعلها تشعر بأن عليها أن تتحرك: “لم أكن قادرة على الجلوس مكتوفة الأيدي، بينما يُقتل الناس أمام أعيننا”، كما قالت خلال شهادتها في المحكمة.
محاكمة طويلة وانقسام في الروايات
في أغسطس 2024، ألقي القبض على فاطمة إلى جانب خمسة ناشطين آخرين بعد اقتحام مصنع الشركة قرب مدينة بريستول في إنجلترا. وجهت إليهم السلطات البريطانية تهمًا تتعلق بـ“السطو المشدد” و“الإخلال بالنظام العام”. وبعد محاكمة مطولة أمام محكمة “ووليتش كراون” في لندن، تمت تبرئة المتهمين الستة من تهمة السطو، بينما تقرر إعادة محاكمتهم في فبراير 2027 بشأن تهم أخرى لم يُحسم فيها الحكم، مثل “إحداث تلف متعمد” و“العنف الجماعي”.
وفي حين تم الإفراج عن جميع المتهمين بكفالة، بقي أحدهم، صموئيل كورنر، قيد الاحتجاز بتهمة “إيذاء ضابط شرطة عمدًا باستخدام مطرقة ثقيلة”.
روايات متباينة وتسجيلات مثيرة للجدل
خلال جلسات الاستماع، استمعت المحكمة إلى لقطات مصوّرة تُظهر استخدام حرّاس الأمن، المتعاقدين من شركة خاصة تُدعى “مينيرفا إيليت”، القوة المفرطة ضد الناشطين. وقد أظهرت إحدى التسجيلات الحارس أنجلو فولانتي وهو يوجّه ضربة في عنق أحد المتهمين بمطرقة، فيما بيّنت صور لاحقة إصابات واضحة على جسده.
وأفادت تقارير صحفية بريطانية أن بعض الشهادات الرسمية لرجال الشرطة وحراس الأمن تغيّرت عند الاستجواب أمام المحكمة، إذ تبيّن أن أحد الضباط، الذي كان قد صرّح بأنه رأى المتهم يحمل مطرقة، اعترف لاحقًا بعد عرض الفيديو بأنه كان أعزل. كما أظهرت التحقيقات فقدان تسجيلات من بعض كاميرات المراقبة داخل المصنع، وهو ما أثار شكوك الدفاع حول مصداقية الأدلة.
تجربة الاعتقال القاسية
بعد القبض عليها، بدأت فاطمة رحلة طويلة مع النظام القضائي البريطاني، ووصفت تلك المرحلة بأنها فترة نضوج قسري. فخلال 18 شهرًا من الاحتجاز الاحتياطي في سجن “برونزفيلد”، تجاوزت المدة القانونية المعتمدة عادة قبل المحاكمة.
تتحدث فاطمة بأسى عن تلك المرحلة: “شعرت وكأن الدولة تملك مصيري بالكامل. كنت أعيش في فراغ لا نهاية له. كل شيء كان مراقبًا، حتى مكالماتي مع والدتي”.
تضيف أن والدتها كانت عاجزة عن التعبير بحرية أثناء مكالماتهما الهاتفية التي خضعت للرقابة: “لم أستطع حتى أن أسألها إن كانت غاضبة مني دون خوف أن يُفسَّر السؤال بطريقة أخرى”.
اتهامات بسوء المعاملة داخل السجن
تؤكد فاطمة أن المعاملة التي تلقتها هي وزميلاتها الناشطات بدت وكأنها موجهة ضدهن بسبب انتمائهن إلى حركة “Palestine Action”، التي حُظرت لاحقًا في المملكة المتحدة وصُنفت كمنظمة إرهابية. وتروي أن عناصر الأمن كانوا يدخلون زنزانتها دون سابق إنذار، ويمنعونها من ارتداء الحجاب أحيانًا أثناء التفتيش، كما كانوا يصادرون المراسلات الشخصية ويفتشون كتبها.
كما شهدت إحدى المتهمات الأخريات، قيسر زهرة، تعرضها لاعتداء تم خلاله نزع حجابها أثناء مصادرة الكوفيات الفلسطينية داخل السجن. ورغم نفي إدارة السجن هذه الادعاءات، شددت فاطمة على أن تلك التجربة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا فيها وفي زميلاتها.
دعم متبادل وسط القيود
رغم العزلة ومنع التواصل المباشر بينهن بأوامر “عدم التلاقي”، كانت الناشطات يتبادلن كلمات الدعم عبر رسائل يسلّمها سجينات أخريات. تقول فاطمة إن هذا الترابط أبقاهن قادرات على الصمود: “كنا نؤمن بأننا لن نواجه هذا المصير منفردات، مهما طال الزمن”.
لحظة الخروج واستعادة الحياة
اليوم، وبعد الإفراج عنها، ما زالت فاطمة تتلمس طريقها إلى الحياة الطبيعية. تصف صعوبة تقبّل الحرية بعد كل ما مرت به: “ما زلت أتعجّب عندما أتناول طعامًا مطهوًا في البيت أو أركب القطار. لا أصدق أنني أستطيع السير بحرية في الشارع بعد أن اعتقدت أنني سأقضي عشر سنوات في السجن”.
ورغم ما شهدته من معاناة، تؤكد فاطمة أنها لا تشعر بالندم على مشاركتها في التحرك الاحتجاجي: “لم أندم أبدًا على محاولتي الدفاع عن الحق أو على رغبتي في جعل العالم مكانًا أفضل”.
رسالة إنسانية
قصة فاطمة رجواني تمثل نموذجًا إنسانيًا معقدًا يتقاطع فيه الوعي السياسي بالشجاعة الفردية وثمن الموقف الأخلاقي في مجتمعات ديمقراطية تواجه أسئلة صعبة عن حدود الحرية والمسؤولية. وبرغم الجدل القانوني الذي ما زال يحيط بالقضية، تبقى شهادتها تذكيرًا مؤلمًا بأن الإيمان بالعدالة قد يقود أحيانًا إلى أقصى درجات المعاناة، لكنه أيضًا قد يصنع من التجربة الفردية رسالة إنسانية تتجاوز جدران السجن.
اقرأ المزيد
بعد عام من الاحتجاز.. صرخة استغاثة للفلسطينية “لقاء كردية” إثر تدهور وضعها الصحي في سجون أمريكا












