وطن-في ظلّ تصاعد التوتر الإقليمي واشتداد العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تتجه الأنظار مجددًا نحو المناطق الكردية على جانبي الحدود الإيرانية–العراقية، حيث تتداول أنباء عن تحركات عسكرية محتملة لفصائل كردية معارضة تسعى إلى استثمار الوضع الراهن لإعادة تموضعها داخل الأراضي الإيرانية. ومع ذلك، لا تؤكد هذه الجماعات ولا تنفي تلك الأنباء، فيما تظل واشنطن في مرحلة التردد بشأن موقفها النهائي من دعم أي تحرك كهذا.
حالة غموض سياسي وعسكري
كشفت مصادر كردية عدة أن أحزاب المعارضة الإيرانية الكردية تدرس خياراتها بعناية، وسط ترقب لما ستقرّره الإدارة الأمريكية خلال الأيام المقبلة. أحد القياديين في حزب كومله أشار – طالبًا عدم ذكر اسمه – إلى أن “الوقت قد حان للعودة إلى الديار بعد سبعة وأربعين عامًا في المنفى”، لكنه شدّد على ضرورة التمهّل وعدم التسرّع، لافتًا إلى أن الأهالي في مناطق كردستان إيران، أو “روجهلات” كما يسمّيها الأكراد، ينتظرون قدوم قوات البيشمركة بفارغ الصبر.
وبينما عبّر سيامند موئيني، القيادي البارز في حزب حرية كردستان (بيجاك)، عن تحفظه قائلاً إنه لا يمتلك معلومات كافية حول احتمال الدخول في مواجهة مفتوحة مع طهران، اكتفى ممثلو أحزاب أخرى بالإشارة إلى أن “كل السيناريوهات مفتوحة” إن تحركت قوات كردية داخل إيران.
دعم أمريكي قيد التقييم
ذكرت وسائل إعلام أمريكية أن البيت الأبيض يدرس خيارات دعم فصائل المعارضة الكردية في إطار سياسة أوسع لتقويض النظام الإيراني. ونقلت تقارير عن صحيفة وول ستريت جورنال أن الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، لا يستبعد تقديم دعم مباشر لمجموعات مسلحة داخل إيران، بما فيها الفصائل الكردية المتمركزة شمال غربي البلاد. كما أشارت شبكة CNN إلى وجود اتصالات بين وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وبعض القيادات الكردية بهدف تسليحها استعدادًا لاحتمال تنفيذ عمليات برية في غرب إيران.
من جانب آخر، تحدثت Axios عن اتصالات أجراها ترامب مع قيادات كردية عراقية بارزة، من بينهم مسعود بارزاني وبافل طالباني، مؤكدة أن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني أقرّ فعلاً بحدوث مكالمة هاتفية في هذا الشأن.
تصاعد في العمليات الميدانية
ترافقت هذه التحركات الدبلوماسية مع تصعيد عسكري واسع طال المناطق الكردية في العراق وإيران، إذ شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية غارات مكثفة على مواقع عسكرية واستخبارية قرب الحدود الغربية لإيران. وبحسب منظمة هنكاو لحقوق الإنسان، أُفرج عن عدد من المعتقلين في سجن مريوان المركزي عقب الضربات التي طالت منشآت تابعة للحرس الثوري الإيراني في مدن مهاباد وسنندج وكرمنشاه وأرومية.
ووفق ما أكده ممثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في أربيل، فإن القصف استهدف قواعد استخباراتية تعدّ من أبرز مراكز الحرس الثوري في تلك المدن، مشيرًا إلى أن بعضها “دُمّر بالكامل”.
حرب الظلال بين الجانبين
ردّت طهران خلال الأيام التالية بهجمات بطائرات مسيّرة على مواقع كردية معارضة داخل إقليم كردستان العراق، استهدفت معسكرات قديمة تابعة لـالحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني. وأفادت جيلا مستاجر، المؤسسة المشاركة لمنظمة هنكاو، بأن الفصائل الكردية تعرّضت لأكثر من خمس غارات ما بين السبت والإثنين، إلا أن بعضها جرى اعتراضه بفضل منظومات الدفاع الأمريكية المنتشرة في شمال العراق.
وترى تريفا زاري، من منظمة حقوق الإنسان “هانا”، أن هذه الهجمات “ليست مجرد ردود فعل آنية”، بل تعبّر عن “إستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى احتواء النشاط السياسي الكردي خارج سيطرة طهران”. وأضافت أن السلطات الإيرانية تنظر إلى أي تنظيم كردي مستقل باعتباره تهديدًا مباشرًا للاستقرار الداخلي، خصوصًا في مناطق روجهلات.
تحالفات جديدة ومعادلات متغيرة
وقبيل اندلاع الحرب بأيام، أعلنت خمسة أحزاب كردية رئيسية في 22 فبراير عن تشكيل تحالف القوى السياسية لكردستان الإيرانية، ويضم أحزاب الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، بيجاك، كومله، حزب حرية كردستان، ومنظمة خبات. التحالف الجديد أكد أن هدفه المشترك هو “العمل من أجل إنهاء نظام الجمهورية الإسلامية”، عبر مسار لا ينحاز “لا إلى النظام القائم ولا إلى القوى المهاجمة”، وفق مسؤول أمني كردي كبير.
أما هانا يزدانبناه من حزب حرية كردستان، فرأت أن الضربات الإسرائيلية في المنطقة الحدودية تأتي كجزء من “إستراتيجية أوسع لإضعاف البنية العسكرية الإيرانية أكثر منها موجَّهة ضد الجماعات المحلية”.
الشكوك في الثقة والشراكات
تعرف الجماعات الكردية المعارضة حجم التجارب السابقة مع واشنطن، إذ سبق أن شعرت فصائل كردية سورية بأنها تُركت بمواجهة مصيرها بعد انتهاء دورها في محاربة تنظيم “داعش”. ويؤكد مصدر في كومله أن “الأكراد لم يتلقوا حتى الآن أي ضمانات واضحة”، بينما يرى الخبير الأكاديمي حيدر خِزري أن هذه الأحزاب ستطالب بضمانات لحقوق الأكراد في إيران ما بعد النظام الحالي، وربما صيغة من “الفدرالية الديمقراطية” تجنبهم تكرار تجربة روجآفا.
اختبار القدرة على التقدم
على الرغم من الطموح السياسي والعسكري، يحذر مراقبون من أن أي تحرك كردي مسلح داخل إيران سيظل رهينًا بالدعم الخارجي. المتطوع الأمريكي رايان أوليري، الذي قاتل سابقًا إلى جانب القوات الكردية، يرى أن المعارضة يمكنها عبور الحدود والسيطرة على مناطق محددة مبدئيًا، “لكن الحفاظ عليها من دون غطاء جوي أو تقنيات متطورة سيكون شبه مستحيل”.
ويضيف القائد السابق في بيجاك، شمال بشير، أن أي وجود ميداني سيتطلب قدرة فعلية على إدارة المدن وتأمين السكان في إقليم يمتد على مساحة تقارب 125 ألف كيلومتر مربع، محذرًا من أن انفراط الدولة الإيرانية دون انهيارها الكامل قد يترك الأكراد مكشوفين في مواجهة فراغ سياسي وأمني هائل.
في مشهد تتداخل فيه المصالح الدولية مع الحسابات الداخلية، تبدو القضية الكردية في إيران أمام مفترق خطير: فبين حلم العودة إلى الوطن ونشوء تحالفات ظرفية مع قوى كبرى، تظل الأسئلة الكبرى قائمة حول المصير النهائي لهذه التحركات، وحدود قدرة الأكراد على رسم مستقبلهم بعيدًا عن حسابات الحرب القادمة.
اقرأ المزيد
أكراد تركيا يصدمون نتنياهو: رفض قاطع لـ “المخططات الإسرائيلية” لإشعال تمرد في إيران












