وطن-في خضم تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تكشف الساعات الأخيرة عن تباين واضح في مواقف الإدارة الأمريكية بشأن دوافع الحرب ومسارها، وسط انتقادات داخلية حادة تتهم الرئيس دونالد ترامب وفريقه باتخاذ قرارات متسرعة افتقرت إلى التخطيط والوضوح.
ضبابية الموقف وتضارب الرسائل
فبعد يوم واحد فقط من تأكيد وزير الخارجية ماركو روبيو أن الحرب جاءت استنادًا إلى «تهديد وشيك» ضد القوات الأمريكية والإسرائيلية، خرج الرئيس ترامب ليقول للصحفيين إنّه «قد يكون هو من دفع إسرائيل إلى خوض الحرب»، مضيفًا أن قراءته لمسار المفاوضات مع طهران أوحت له بأن «إيران كانت تستعد للهجوم أولاً».
تلك التصريحات بدت وكأنها نسفت تبريرات الوزير نفسه، وأعادت تسليط الضوء على التناقضات داخل الإدارة حول الأسباب الحقيقية للتصعيد.
دبلوماسية متعثّرة بحسب الحلفاء
المفارقة أن سلطنة عُمان التي لعبت دور الوسيط، نقلت انطباعًا مختلفًا تمامًا مفاده أن المباحثات كانت تسير على نحو إيجابي غير مسبوق، وأن إيران قدّمت تنازلات لم تتضمنها حتى اتفاقية 2015 النووية.
هذا التباين دفع دبلوماسيين سابقين، مثل جيفري بريسكت، إلى وصف النهج الأمريكي بـ«الافتقار إلى الجدية»، معتبرًا أن استخدام القوة ضد إيران تمّ في غياب رؤية لما بعد الضربة، أو استراتيجية متكاملة لإدارة العواقب.
تناقض الأرقام والروايات العسكرية
وعلى الرغم من إعلان ترامب سابقًا أن «الضربات المحدودة» في يونيو من العام الماضي دمّرت القدرات النووية الإيرانية، نفت طهران تلك المزاعم على الفور. أما الوكالة الدولية للطاقة الذرية فأكدت أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية المشتركة عطّلت برنامج إيران النووي لسنوات، من دون إنهائه كليًا.
غير أنّ كبير المفاوضين الأمريكيين ستيف ويتكوف عاد ليعلن قبل أسبوع من الموجة الأخيرة من الهجمات أن إيران كانت «على بُعد أسبوع واحد فقط من تصنيع قنبلة نووية»، وهي عبارة كثيرًا ما رددها مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون منذ عقدين.
الكونغرس يدخل المواجهة
وفي ظل غياب رواية موحدة، قرر مجلس الشيوخ الأمريكي إجراء تصويت للحدّ من صلاحيات الرئيس في خوض الحرب. وسيعقب ذلك تصويت مماثل في مجلس النواب، في محاولة لإجبار الساسة على إعلان موقفهم من الحرب التي أودت بحياة ستة أمريكيين وأكثر من 500 إيراني حتى الآن.
لكن فرص تمرير القرار تبدو شبه معدومة، نظرًا لصعوبة الحصول على أغلبية الثلثين اللازمة لتجاوز الفيتو الرئاسي. تجربة مشابهة كان الكونغرس قد خاضها عام 2020 عندما اغتال ترامب القائد الإيراني قاسم سليماني، قبل أن يرفض الرئيس حينها قرار الحدّ من سلطاته العسكرية.
مبررات جديدة… وأهداف متحوّلة
روبيو حاول لاحقًا إعادة رسم ملامح الحرب، مشيرًا إلى أن العمليات تهدف إلى «إزالة خطر الصواريخ الباليستية القصيرة المدى وإضعاف القدرات البحرية الإيرانية». إلّا أن مراقبين أشاروا إلى أن تلك المبررات لم تُطرح إلا بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن في ديسمبر الماضي.
رئيس المجلس الوطني للإيرانيين الأمريكيين، جمال عبدي، قال إن «الحديث عن تهديد بحري لم يكن مطروحًا من قبل»، مرجّحًا أن يكون تصعيد هذا الخطاب نتيجة القلق من احتمال إغلاق مضيق هرمز. ويرى أن كل إشارة إلى استعداد إيران الدفاعي باتت تُفسَّر اليوم وكأنها جزء من مشروع نووي يبرر استهدافه.
بين تغيير النظام وواقع الميدان
ومع تسجيل مقتل عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي وفق ما أعلنته واشنطن وتل أبيب، أشار ترامب في تصريح لقناة أمريكية إلى أن «الشخصيات التي كان يفضلها لقيادة إيران المستقبلية قُتلت أيضًا».
وفي منشور على منصته الإلكترونية أعلن أن «هذه فرصة نادرة للأجيال لتتولى شعوب إيران حكم بلادها»، ما فُسِّر على أنه دعوة صريحة لتغيير النظام. لكن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسِث نفى لاحقًا هذا التوجه قائلاً: «هذه ليست حربًا من أجل تغيير النظام، لكن النظام بالفعل تغيّر، والعالم أصبح أفضل حالاً بذلك»، من دون تقديم جدول زمني لانتهاء العمليات.
جدل ديني داخل المؤسسة العسكرية
وفي مشهد أثار استياءً واسعًا، كشفت منظمة «مؤسسة حرية المعتقد في الجيش الأمريكي» أنها تلقت أكثر من 200 شكوى من جنود أبلغوا بأن قادتهم وصفوا الحرب على إيران بأنها «مقدسة ومباركة من المسيح تمهيدًا لقيامة النهاية».
رأت المنظمة أن هذا «يهدد حياد المؤسسة العسكرية»، خاصة أن أحد القيادات المشاركة في الحرب يحمل وشمًا لصليب الحملة الصليبية على صدره، ما زاد الجدل حول الطابع الأيديولوجي للنزاع.
إخفاق الإجلاء وتزايد الهواجس
الإدارة الأمريكية وجهت تحذيرًا عاجلًا لمواطنيها في 13 دولة، إضافة إلى إيران والأراضي الفلسطينية المحتلة، بمغادرة المنطقة فورًا عبر الرحلات التجارية، فيما أغلقت عدة مطارات أبوابها. وسأل أحد الصحفيين ترامب عمّا إذا كانت الحكومة سترسل طائرات إجلاء خاصة، فأجاب بإيجاز: «لقد حدث كل شيء بسرعة… كنا على وشك أن نتعرض لهجوم».
لكن نوابًا ديمقراطيين اتهموا البيت الأبيض بالإخفاق في حماية مواطنيه. السيناتور آندي كيم كتب على منصة «إكس» أن مكتبه تلقى مكالمات استغاثة من أمريكيين عالقين في الشرق الأوسط. وحتى مساء الثلاثاء، أعلن روبيو أن نحو 9000 أمريكي غادروا المنطقة فيما لا يزال 1600 بحاجة إلى المساعدة.
تساؤلات بلا إجابة
ختامًا، يبدو أن واشنطن دخلت حربًا لم تستعد لها سياسيًا أو إنسانيًا كما ينبغي. تعددت المبررات وتضاربت التصريحات، لكن ما يتفق عليه المراقبون هو أن النزاع كشف هشاشة التنسيق داخل الإدارة الأمريكية، وعمّق الشكوك بشأن جدوى القوة حين تغيب الرؤية والدبلوماسية. وبين وعود النصر ومآسي المدنيين، يبقى مصير المنطقة معلقًا على قرارات تُتخذ خلف الأبواب المغلقة، وتُبرَّر بأصوات متناقضة في العلن.
اقرأ المزيد
“حرب مقدسة لتعجيل هرمجدون”.. قادة بالجيش الأمريكي يخبرون جنودهم أن غزو إيران “مباركة من المسيح”
انقلاب السحر على الساحر.. إيران تشن “حرب استنزاف” سياسية واقتصادية تربك مخططات نتنياهو وترامب












