وطن-في خضمّ تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تسعى كييف إلى تثبيت حضورها على الساحة الدولية من جديد عبر مسار غير متوقّع: تصدير خبرتها في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية التي استخدمتها روسيا ضدها. فالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي يجوب عدداً من العواصم الأوروبية، لا يهدف فقط إلى تجديد الدعم السياسي والعسكري لبلاده، بل يسعى أيضًا إلى تقديم أوكرانيا كشريك موثوق يمتلك ما يقدّمه في ميدان الحرب الحديثة.
من ساحات القتال إلى طاولات التعاون
الخبرة التي اكتسبها الجيش الأوكراني خلال السنوات الماضية لم تأتِ من فراغ. فمنذ بدء استخدام روسيا لطائرات “شاهد” الانتحارية عام 2022، واجه الأوكرانيون هجمات شرسة نفذها في بداياتها فنيون إيرانيون داخل الأراضي الروسية، قبل أن تنتقل المعرفة والتصنيع تدريجيًا إلى الروس أنفسهم. ومع مرور الوقت، طوّرت موسكو طائراتها على غرار النسخ الإيرانية، وأنتجت نموذجًا محليًا يُعرف باسم “غيران‑2” قادرًا على حمل ما بين 50 و80 كيلوغرامًا من المتفجرات والطيران لمسافة تصل إلى 1500 كيلومتر.
لكن رغم هذا التطور، تمكّن المهندسون الأوكرانيون من هندسة ردّ مضاد فعّال: مسيّرات اعتراضية منخفضة الكلفة تستطيع إسقاط الطائرات المهاجمة في الجوّ، وهو النظام الذي تحوّل اليوم إلى أحد أبرز أوجه التعاون الأمني الذي تعرضه كييف على شركائها الجدد.
حرب المسيّرات… موازين الكلفة والخطر
تكشف التجربة الأوكرانية جانبًا اقتصاديًا بالغ الحساسية في حروب المسيّرات: فبينما تُقدّر تكلفة تصنيع طائرة “شاهد” الواحدة بما يتراوح بين 20 و50 ألف دولار، كانت الصواريخ الأوكرانية المخصّصة لاعتراضها تكلف أضعاف ذلك، من دون ضمان إصابة مؤكدة. لذلك واجهت أنظمة الدفاع الجوي في كييف استنزافًا كبيرًا، ما دفعها إلى التفكير في حلول أكثر استدامة.
وخلال عام 2025، حين كثّفت روسيا استخدام هذا السلاح، ظهرت المسيّرة الاعتراضية “سكاي فول P1‑صن” كتحوّل نوعي. هذه الطائرة الصغيرة، التي لا تتجاوز كلفتها ألف يورو، تتعقّب هدفها عبر نظام GPS حتى تصطدم به في الجوّ وتحيّده قبل أن ينفجر.
خبرة مطلوبة في الخليج
مع اندلاع المواجهات بين إيران وعدد من الدول الخليجية خلال الحرب الأخيرة، سارعت كييف إلى عرض مساعدتها التقنية، وقد أرسلت بالفعل فرقًا متخصّصة في اعتراض المسيّرات إلى كلّ من قطر والإمارات والسعودية، فيما يُعتقد أن دولاً أخرى طلبت هذا الدعم أيضًا. ويُنظر إلى هذه الخطوة بوصفها مزيجًا من المبادرة الدبلوماسية والتوظيف الذكي للتجربة القتالية، إذ تسعى أوكرانيا إلى تحويل ألم الحرب إلى رصيد استراتيجي يعزّز حضورها الدولي.
دروس من الحرب الحديثة
المراسلَة الميدانية ماريا سينوفيّا، التي تابعت من داخل أوكرانيا تطوّر هذا النوع من المواجهة، أكدت أن الطائرات المسيّرة باتت “اللاعب الأكثر تأثيرًا” في ساحات القتال، ليس فقط لأنها تغيّر تكتيكات الجيوش، بل لأنها تُدخل العالم في مرحلة جديدة من الحروب منخفضة الكلفة وعالية الدمار في الوقت نفسه.
اليوم، لم تعد المسيّرات سلاح المستقبل، بل أصبحت واقعًا يعيد تشكيل موازين الردع والأمن الإقليمي. وتحاول كييف أن تثبت أن تجربتها المرة قد تتحوّل إلى مصدر حماية للآخرين، ورسالة تحذير بأن الحرب الحديثة لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل أيضًا بالذكاء والتخطيط والقدرة على التكيّف.
قد يعجبك
إسرائيل تبلغ واشنطن بنفاد مخزونها من صواريخ الاعتراض الجوي وسط تصعيد الحرب مع إيران
“استنفاد مخزون السنين في أيام.. لماذا ترفض إدارة ترامب تزويد الخليج بصواريخ اعتراضية؟
بين حصار “هرمز” وشبح العطش.. كيف يهدد الصراع مع إيران مائدة الخليجيين ومخزون المياه؟












