وطن-في مشهد دبلوماسي متسارع تحكمه التطورات في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، بدأت الجزائر وفرنسا محاولة استعادة دفء العلاقات بينهما بعد فترة توتر حاد طبعها الخلاف حول ملف الصحراء الغربية، والتباين في المواقف من قضايا إقليمية مؤثرة تشمل منطقة الساحل وأزمات الخليج.
فقد أجرى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف محادثة هاتفية مطوّلة مع نظيره الفرنسي جان نوال بّارو، ناقشا خلالها آفاق التعاون الثنائي ومستقبل الشراكة بين البلدين، وفق بيان صادر عن الخارجية الجزائرية. وأكد الطرفان ضرورة تجاوز تداعيات الخلافات السابقة والعمل على بناء مسار جديد قوامه المصالح المشتركة والحوار المتكافئ.
جذور التوتر بين باريس والجزائر
التباعد بين العاصمتين تعمّق خلال عام 2024 عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تأييده العلني لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدّم به المغرب لحل قضية الصحراء الغربية. هذا الموقف شكّل صدمة دبلوماسية للجزائر التي تؤكد دعمها لجبهة البوليساريو وتمسكها بخيار استفتاء تقرير المصير للشعب الصحراوي، ما مثّل خروجًا فرنسيًا عن الحياد التقليدي الذي اتبعته باريس لعقود.
زيارة ماكرون الرسمية إلى الرباط في أكتوبر من العام نفسه عززت هذا الانطباع، إذ استُقبل الرئيس الفرنسي بحفاوة من الملك محمد السادس خلال زيارة استغرقت ثلاثة أيام وشهدت توقيع اتفاقات اقتصادية وتنموية تتعلق بالأقاليم الجنوبية، التي تعتبرها الرباط جزءًا من أراضيها الوطنية.
خطة الحكم الذاتي… دعم واسع دوليًا
منذ طرح المغرب مقترحه أمام الأمم المتحدة عام 2007، حظي المشروع بتأييد أكثر من مئة دولة من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والإمارات. وجدد مجلس الأمن دعمه في أكتوبر 2025 من خلال القرار رقم 2797، معتبرًا الخطة “الأساس الأكثر واقعية” لدفع المفاوضات نحو تسوية نهائية للنزاع الذي يعود إلى ما بعد انسحاب الاستعمار الإسباني من الإقليم.
ومع ذلك، فإن الجزائر ترى في أي اعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية مساسًا بمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، بينما تؤكد الرباط أن مقترح الحكم الذاتي يمنح سكان المنطقة صلاحيات واسعة لإدارة شؤونهم المحلية في ظل السيادة المغربية، مع احتفاظ الدولة بملفي الدفاع والعلاقات الخارجية.
إشارات تقارب جديدة
بيان الخارجية الجزائرية أشار إلى أن المحادثات بين عطاف وبّارو تناولت أيضًا الأوضاع في منطقة الساحل والصحراء، إلى جانب التطورات في الشرق الأوسط. مراقبون رأوا في هذا التواصل مؤشّرًا على رغبة الطرفين في تجاوز إرث الخلافات السابقة والعمل على مقاربة واقعية تحفظ مصالحهما المشتركة، خصوصًا في مجالات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب.
ويُذكر أن الجزائر شاركت مؤخرًا في لقاءات احتضنتها مدريد وواشنطن، برعاية أمريكية، جمعت الأطراف المعنية بملف الصحراء الغربية في محاولة لإطلاق مسار تفاوضي جديد.
الشرق الأوسط في قلب النقاشات
الملف الإقليمي لم يكن غائبًا عن الحوار الجزائري–الفرنسي، حيث ناقش الوزيران بقلق التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط بعدما فجّرت الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى موجة توتر جديدة في منطقة الخليج، ترافقت مع تصعيد ميداني في لبنان بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله.
وأوضح بيان الخارجية الجزائرية أن الطرفين أعربا عن “انشغالهما المشترك إزاء خطورة الموقف الإقليمي وما يمكن أن يخلّفه من انعكاسات على الأمن الدولي”، مؤكدَين أهمية التهدئة والحلول الدبلوماسية لتفادي مزيد من الانفجار في المنطقة.
آفاق التعاون
وفي ختام المحادثة، شدد الوزيران على أهمية تعزيز الشراكة في ملفات التنمية والاستثمار، خاصة في إطار المشاريع الكبرى التي أعلن المغرب عنها في أقاليمه الجنوبية والتي تراها باريس فرصة اقتصادية واعدة. وأعرب بّارو عن أمل بلاده في أن تسفر المرحلة المقبلة عن “نتائج ملموسة” تدعم التعاون الفرنسي–الجزائري وتعيد الثقة بين الجانبين.
يظهر من هذا التقارب الجديد أن العلاقات الجزائرية–الفرنسية تعيد رسم ملامحها وفق توازن دقيق بين المصالح السياسية والاقتصادية، في وقت يفرض فيه تصاعد التوترات الإقليمية على ضفتي المتوسط تعميق الحوار وتغليب منطق الشراكة على حساب منطق الاصطفاف.
وعلى الرغم ما يحيط بالقضية الصحراوية من تعقيدات، يبدو أن المنطقة تتجه إلى مرحلة جديدة من التفاهمات الواقعية، يدرك الجميع أن بديلها الوحيد هو الجمود والصدام المتجدد.
اقرأ المزيد
حرب إيران وتداعياتها على المغرب والجزائر: صراع النفوذ وتوازن القوى في المغرب العربي
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية
الجزائر تلغي الامتيازات الدبلوماسية الفرنسية وتفرض تأشيرات جديدة












