وطن-في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا داخل الشارع السوري، أعلنت السلطات في العاصمة دمشق فرض حظر كامل على بيع المشروبات الكحولية في المدينة، باستثناء بعض الأحياء ذات الغالبية المسيحية. القرار، الذي صدر مطلع الأسبوع، يأتي بعد شكاوى من سكان محليين وضمن ما وصفته الجهات الرسمية بأنه حملة لـ”ضبط الممارسات المنافية للأخلاق العامة”.
وأوضح البيان البلدي أنّ المنع يشمل المطاعم والملاهي الليلية في مختلف مناطق العاصمة، بينما سُمح ببيع الكحول في أحياء باب توما، والقصاع، وباب شرقي، على أن يتمّ ذلك فقط في محال تحمل تراخيص تجارية محددة، ولأغراض البيع المعبأ والمغلق للاستهلاك المنزلي.
وتشمل التعليمات الجديدة اشتراطات صارمة للمحال المصرح لها، منها الابتعاد مسافة لا تقل عن 75 مترًا عن المساجد والكنائس والمدارس والمقابر، وما لا يقل عن 20 مترًا عن مراكز الشرطة والمباني الإدارية. وأمهلت السلطات أصحاب المنشآت ثلاثة أشهر لتوفيق أوضاعهم وفق القواعد المستحدثة.
القرار يأتي في مناخ سياسي واجتماعي متقلب تعيشه سوريا منذ الإطاحة ببشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. فمنذ تولي الرئيس أحمد الشرع، الذي كان يقود سابقًا جماعة “هيئة تحرير الشام” قبل حلّها، تجنّب حكومته الموقتة فرض قيود اجتماعية واسعة، إلا أن قرارات أخيرة أثارت تساؤلات حول مسار السياسات الجديدة.
ففي الأشهر الماضية، فُرض حظر على موظفات القطاع العام باستخدام مستحضرات التجميل أثناء الدوام، كما جرى إلزام مرتادي الشواطئ بارتداء ملابس السباحة الكاملة، وهي إجراءات اعتبرها بعض المراقبين مقدمة لتحول تدريجي نحو سياسات أكثر تحفظًا.
وعلى الرغم من أن غالبية السكان من المسلمين السنّة الذين لا يستهلكون الكحول بدافع ديني، فإنّ أطيافًا أخرى من المجتمع، بينهم علمانيون وأقليات دينية وعرقية، عبّروا عن قلقهم من أن يشكّل الحظر الجديد تضييقًا على الحريات المدنية التي طال انتظارها بعد الحرب الطويلة.
كما أثارت الاستثناءات الممنوحة للأحياء المسيحية انتقادات من بعض المثقفين والباحثين، معتبرين أنّ القرار يكرّس الفصل الطائفي بين أبناء المدينة. وكتب المحلل السوري جهاد يازجي على منصة “إكس” أن هذا الإجراء “يعيد إحياء خطوط الانقسام التي كانت قد تلاشت حتى في أواخر العهد العثماني”.
تزامن الجدل حول الحظر مع مناخ سياسي داخلي معقد، إذ تواصل الحكومة الانتقالية مساعيها لترسيخ سلطتها وسط تحديات أمنية واقتصادية، منها هجمات إسرائيلية متكررة، وتوترات مع فصائل معارضة شمالًا وجنوبًا.
وكانت السلطات قد أجرت انتخابات برلمانية في أكتوبر الماضي، اختار فيها الرئيس الشرع ثلث المقاعد مباشرة، بينما تولت لجان محلية تضم مقرّبين من الحكومة تعيين باقي الأعضاء. ولم تشمل العملية محافظات السويداء ذات الأغلبية الدرزية أو المناطق الكردية في الشمال الشرقي، ما أبقى 32 مقعدًا شاغرًا في المجلس.
وبموجب الدستور الموقت الذي أُعلن في مارس، من المقرر أن يتولى البرلمان الحالي صلاحيات تشريعية حتى اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات عامة في نهاية المرحلة الانتقالية الممتدة خمس سنوات. وتبرّر الحكومة تأجيل الانتخابات بالظروف التي خلّفتها ثلاثة عشر عامًا من الحرب، والتي أودت بحياة مئات الآلاف ودفعت بالملايين إلى النزوح في الداخل والخارج.
وعلى الرغم من هذه المبررات، أعرب ناشطون سوريون من دعاة الديمقراطية عن خيبة أملهم، مشيرين إلى أنّ آلية اختيار النواب تكرّس منطق التعيين بدل المشاركة الشعبية.
وبينما يحاول السوريون إعادة بناء مدينتهم المنهكة بعد سنوات من الصراع، يرى كثيرون أن القوانين الجديدة تمسّ جوانب حياتهم الشخصية أكثر مما تعالج همومهم اليومية. ويرى محللون أنّ التحدي الأكبر أمام الحكومة الانتقالية اليوم هو تحقيق توازن بين الحفاظ على القيم الاجتماعية واحترام الحريات الفردية، في بلد يتطلع إلى استعادة حياة طبيعية بعد عقد من العنف والانقسام.
قد يعجبك
أحمد الشرع: من زعيم إرهابي إلى أول رئيس سوري في الأمم المتحدة
أحمد الشرع: سوريا لن تكون ساحة للفوضى ونتصدى لمحاولات إسرائيل
غضب سوري بعد وصف أحمد الشرع روسيا بالأرض المباركة ودلالات الجرح المفتوح












