وطن-بعد عام قضته خلف الأسوار بين الألم والانتظار، خرجت الفلسطينية لقاء كردية إلى الحرية من أحد مراكز احتجاز المهاجرين في ولاية تكساس الأمريكية، لتستقبلها جموع المؤيدين بدموع الفرح والتكبير، وقد اكتست كتفيها بالكوفية الفلسطينية، رمزًا لهويتها التي حاولت الصمود في وجه سياسات قاسية واتهامات مثيرة للجدل.
لم تكن قصة لقاء – الشابة البالغة 33 عامًا والمقيمة في نيوجيرزي – مجرد قضية هجرة، بل تحولت إلى رمز لمعاناة عشرات الناشطين الفلسطينيين الذين واجهوا تضييقًا متزايدًا في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة. فالقاضية الأمريكية المختصة بشؤون الهجرة قررت إطلاق سراحها بكفالة بلغت 100 ألف دولار، رغم اعترافها بأنها ليست مهددة بالفرار.
اعتبر محامو لقاء الكفالة “باهظة إلى حد الصدمة”، لكنهم أوضحوا أنّ المبلغ سُدد فورًا لتتمكن من مغادرة مركز الاحتجاز المعروف باسم “برايريلاند” في مدينة ألفارادو. وجاء القرار بعد أن تراجعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن استئنافها قرارًا قضائيًا سابقًا يقضي بإطلاق سراحها، وهو القرار الثالث في مسار قضائي طويل خاضته الأسيرة الفلسطينية السابقة.
رحلة المعاناة
قضت لقاء شهرَي رمضان متتاليين داخل أسوار المركز، حيث أفادت عائلتها بتعرضها لمعاملة قاسية وإهمال صحي متكرر. ففي الشهر الماضي، نقلت إلى المستشفى بعد تعرضها لإغماء وارتطام رأسها بالأرض ثم إصابتها بنوبة تشنج، وهي حادثة لم تعانِ منها من قبل. ورغم وضعها الصحي، كانت مقيدة بالسرير طيلة فترة المراقبة الطبية قبل إعادتها إلى مركز الاحتجاز.
قريبها حمزة أبوشعبان تحدث عن لحظة سماعه بخبر الإفراج، ووصفها بأنها “يوم غارق بالمشاعر”، مضيفًا: “اضطررت إلى التوقف عند محطة وقود لأستوعب الخبر، ثم انفجرت بالبكاء”. وأكد أن لقاء التحقت مباشرة بأداء صلاة التراويح في المسجد مساء اليوم ذاته.
خلفية قانونية
ترجع قضية لقاء إلى مارس 2025، عندما أوقفتها سلطات الهجرة في نيوجيرزي بدعوى أن إقامتها لم تعد قانونية بعد انتهاء صلاحية تأشيرتها الدراسية من نوع F-1 في يناير 2022. وبررت وزارة الأمن الداخلي الإجراء بأنها تجاوزت مدة الإقامة المسموح بها ولم تلتزم بمتطلبات الدراسة.
غير أن فريقها القانوني أوضح أن لقاء كانت تتابع إجراءات لتعديل وضعها القانوني بناء على طلب تقدمت به عائلتها الحاصلة على الجنسية الأمريكية، لكنها وقعت ـ نتيجة “نصيحة خاطئة من أحد مرشديها” ـ على استمارة انسحاب من برنامجها الدراسي مما أدى إلى إلغاء تأشيرتها تلقائيًا. وعلّقت المحامية أمل ثابتة بالقول إن مثل هذه الأخطاء شائعة ويمكن عادة تسويتها بسهولة، لكن ظروف المرحلة السياسية جعلت الأمر مختلفًا هذه المرة.
ففي ظل تشدد سياسات إدارة ترامب تجاه المهاجرين والنشطاء المرتبطين بالدفاع عن فلسطين، تحولت مخالفات بسيطة لقواعد الإقامة إلى ذريعة لاحتجاز بعض الأصوات الناقدة لإسرائيل. وتؤكد ثابتة أن تعامل السلطات مع لقاء “يُظهر كيف يمكن تسييس ملفات الهجرة واستخدامها كوسيلة لإسكات الأصوات المعارضة”.
ما وراء الاتهامات
سبق أن اعتقلتها شرطة نيويورك عام 2024 أثناء مشاركتها في مظاهرة طلابية بجامعة كولومبيا احتجاجًا على الحرب الإسرائيلية على غزة، قبل أن تُسقط عنها التهم لاحقًا. وقد أشار ناشطون إلى أن تلك المشاركة قد تكون السبب غير المعلن وراء استهدافها لاحقًا.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، أعلن زوهران ممداني، عمدة مدينة نيويورك، أنه ناقش قضيتها مع الرئيس ترامب شخصيًا الشهر الماضي، معبرًا عن امتنانه للإفراج عنها بعد أن دفعت ثمنا لموقفها المؤيد لـ”الحقوق الفلسطينية”.
أما ابن عمها فأكد أن ما تعرضت له لقاء “يعكس واقعًا مؤلمًا من الإسلاموفوبيا والعنصرية ضد الفلسطينيين”، مضيفًا بأسف: “هذه ليست أمريكا التي ظننا أننا ننتمي إليها”.
من الضفة إلى أمريكا… ومسيرة بناء حلم
وصلت لقاء إلى الولايات المتحدة عام 2016 بجواز صادر عن السلطة الفلسطينية، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها مفعمة بالأمل والتطلعات الأكاديمية. التحقت بدورات لتعلم الإنجليزية وطورت علاقات اجتماعية واسعة في الأوساط الجامعية، لكنها ما لبثت أن وجدت نفسها في مواجهة جهاز بيروقراطي معقد أفرغ حياتها من الاستقرار.
لكن خلف الصراعات القانونية والمواجهات الإدارية تكمن مأساة إنسانية أكبر؛ فالشابة الفلسطينية فقدت أكثر من مئتي فرد من عائلتها في الحرب على قطاع غزة، ما جعلها ترى في دفاعها عن القضية الفلسطينية واجبًا أخلاقيًا لا يمكن التنازل عنه رغم الثمن.
بعد الخروج… رسالة أمل
عقب احتضانها للحرية للمرة الأولى منذ عام، قالت لقاء أمام مؤيديها بكلمات امتزجت بالدموع: “الظلم في هذا المكان كثير، وهناك أناس كثر لا يستحقون البقاء فيه”. كلماتها لم تكن مجرد شكوى، بل صرخة طلبت بها العدالة لجميع من يعانون خلف الأسوار دون صوت.
تفتح قضيتها من جديد النقاش حول معايير العدالة في ملفات الهجرة الأمريكية، وكيف يمكن أن تتحول الإجراءات القانونية إلى أدوات قمع وتمييز عندما تتقاطع مع المواقف السياسية والدينية.
وعلى الرغم من أن الكفالة التي أُفرج بها عنها كانت الأعلى مقارنة بحالات مشابهة، يرى مؤيدوها أن الحرية، مهما كان ثمنها، تستحق. فلقاء خرجت من الأسوار بالروح نفسها التي دخلتها بها: مؤمنة، ثابتة، ورافضة للصمت أمام الظلم.
اقرأ المزيد
بعد عام من الاحتجاز.. صرخة استغاثة للفلسطينية “لقاء كردية” إثر تدهور وضعها الصحي في سجون أمريكا












