وطن-في خضم التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران، برزت الإمارات العربية المتحدة كأحد أبرز الأصوات الداعية إلى “حسم عسكري” لا يكتفي بوقف إطلاق النار في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. خطاب يتبنّاه دبلوماسيون إماراتيون مؤخرًا، لكنه يعكس في الوقت نفسه تحولًا لافتًا في سياسة أبوظبي الإقليمية، وفق مراقبين.
الدعوة الأبرز جاءت من يوسف العتيبة، سفير الإمارات في الولايات المتحدة، الذي كتب في صحيفة أمريكية مؤكدًا أن “وقف إطلاق النار البسيط لا يكفي”، مشيرًا إلى الحاجة لـ”نتيجة حاسمة” تعالج ما وصفه بمجمل التهديدات الإيرانية، من البرنامج النووي إلى الصواريخ والطائرات المسيرة، وصولاً إلى النفوذ الإقليمي لطهران.
العتيبة اعتبر أن الإمارات تقف “في الخطوط الأمامية لهذا الصراع”، مؤكدًا أن بلاده تعرضت لهجمات بأكثر من ألفي صاروخ وطائرة مسيّرة إيرانية، في وقت حمّل فيه إيران مسؤولية التصعيد، دون أن يتطرق إلى الجهة التي بدأت الحرب.
تحالفات أبوظبي مع تل أبيب، التي توطدت منذ توقيع “اتفاقات أبراهام” عام 2020، تشكل جزءًا من الصورة الجديدة التي تحاول الإمارات ترسيخها لنفسها كشريك إقليمي وثيق للغرب وإسرائيل. هذا التوجه أثار انتقادات من داخل الخليج، خصوصًا في السعودية، حيث اتهم أكاديمي مقرّب من الدوائر الرسمية الإمارات بالارتماء “في أحضان الصهيونية” والعمل كـ”حصان طروادة لإسرائيل في العالم العربي”.
وعلى الرغم من أن السفير الإماراتي تحدث عن “إضعاف القدرات النووية الإيرانية ووكلائها”، إلا أن دعوته لمزيد من الخطوات العسكرية أثارت مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع.
من جانب آخر، وُجّهت إلى الإمارات انتقادات من باحثين ومنظمات حقوقية بسبب أدوارها في صراعات إقليمية مثل السودان وليبيا واليمن، ودعمها لمناطق انفصالية في الصومال، ما يعزز صورة الدولة كلاعب يتجاوز أحيانًا الأطر الدبلوماسية التقليدية.
وعلى الرغم من التحذيرات من تداعيات اقتصادية قد تواجه الإمارات نتيجة الحرب، أكد العتيبة تمسك بلاده بخطط استثمارية بقيمة 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة، معتبرًا أن “قوة العلاقات الاقتصادية مع أمريكا تعزز قوة البلدين معًا”.
في الداخل الإماراتي، تزايدت دعوات بعض المسؤولين السابقين والمستشارين إلى مراجعة الموقف العربي الجماعي مما يجري، وانتقاد ما وصفوه بـ”صمت الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي تجاه العدوان الإيراني”. المستشار أنور قرقاش رأى أن غياب الموقف الموحد يجعل من غير المنطقي لاحقًا الحديث عن “تراجع الدور العربي أو الإسلامي”، فيما ذهب ضاحي خلفان إلى أبعد من ذلك، داعيًا إلى تعزيز العلاقات مع الغرب وإسرائيل على حساب علاقات الجوار العربي، قائلاً إن الحرب “أثبتت أن الدول الغربية هي الصديقة الحقيقية”.
إلا أن باحثين في الشؤون الخليجية يحذرون من أن هذا النهج ينطوي على مجازفة استراتيجية كبرى. فبحسب الدكتور أندرياس كريغ من كلية كينغز في لندن، تقوم السياسة الإماراتية على تصدير صورة “الاستقرار والانفتاح الجاذب للاستثمار”، غير أن الضربات الإيرانية الأخيرة خلقت تصدعات في هذه الصورة. ويضيف أن “الإمارات تحاول طمأنة السكان والشركات بأنها مسيطرة على الوضع، بينما يقتصر ردها الفعلي على خطاب سياسي حاد في مواجهة حملة عسكرية متهورة”.
ويرى كريغ أن خطاب العتيبة يحمل مضمونًا سياسيًا أكثر منه قدرة عملية، لأن أبوظبي، كما يقول، “تفتقر إلى العمق الاستراتيجي الذي يمكّنها من التأثير الفعلي في مجريات الحرب ضد إيران”.
ومع تلميح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إمكانية تنسيق مباشر مع القيادة الإيرانية لإدارة مضيق هرمز، يصبح المشهد أكثر تعقيدًا بالنسبة للإمارات، التي تراهن على موقعها كـ”حليف عسكري ثابت لواشنطن في كل الظروف”.
ويحذر محللون من أن هذا الرهان قد يمنح الإمارات نقاطًا لدى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن، لكنه يهدد في الوقت ذاته بتأزيم علاقاتها مع إيران ومع شركائها الخليجيين، ويدفعها تدريجيًا نحو عزلة إقليمية غير محسوبة العواقب.
في النهاية، تبدو الإمارات اليوم أمام معادلة صعبة: بين رغبتها في إثبات حضور دولي قوي ودورها كقوة اقتصادية منفتحة، وبين واقع إقليمي متوتر يجعل أي انحياز عسكري كامل مغامرة قد تمس أمنها واستقرارها الداخلي قبل أي شيء آخر.
اقرأ أيضاً
خبير إيراني يُحذر: طهران مستعدة للسيطرة على البحرين وسواحل الإمارات في حال ارتكبت واشنطن “أي خطأ”
بين التسريبات الإسرائيلية والنفي الرسمي.. هل تورطت الإمارات فعلاً في قصف محطة تحلية إيرانية؟”












