وطن-لم تمضِ ساعات على إعلان هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران حتى شهد لبنان واحدة من أعنف الضربات الجوية الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب الحالية، ما أعاد المشهد إلى دائرة الانفجار الإقليمي رغم مساعي التهدئة.
أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن الغارات، التي استهدفت مناطق متفرقة من البلاد في الثامن من نيسان/أبريل 2026، أودت بحياة العشرات وأصابت المئات، فيما تبدو العاصمة بيروت الأكثر تضررًا من حملة القصف التي وصِفت بأنها الأعنف منذ بدء المواجهات.
عملية منسّقة خلال دقائق
أعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفّذ “أضخم ضربة منسّقة” ضد مواقع تابعة لـ”حزب الله”، موضحًا أنّ الهجوم استهدف نحو مئة مركز قيادة وموقع عسكري خلال عشر دقائق فقط. وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، وصف العملية بأنها “الضربة الأكبر” ضد الحزب منذ عملية 2024 التي استخدمت فيها أجهزة مفخخة.
وأكّد المتحدث العسكري الإسرائيلي الناطق بالعربية أنّ العملية جرى الإعداد لها على مدى أسابيع، وأن جزءًا كبيرًا من الأهداف يقع داخل مناطق مأهولة، في حين ساد الذعر شوارع العاصمة مع بدء الغارات المفاجئة.
مدن تحت النار ونداءات إنقاذ عاجلة
هرعت فرق الإغاثة لانتشال الضحايا من تحت الركام في حي كورنيش المزرعة بالعاصمة، بينما أطلقت وزارة الصحة نداءً عاجلاً لإخلاء الطرق أمام سيارات الإسعاف التي واجهت صعوبات بسبب الازدحام.
النقابة اللبنانية للأطباء أعلنت أن مستشفيات بيروت غصّت بالمصابين، ودعا رئيسها إلياس شلالا جميع الأطباء إلى الالتحاق بمواقع عملهم لتقديم المساعدة الطبية والإنسانية.
وفي البقاع، ذكرت الوكالة الوطنية للإعلام أنّ غارة إسرائيلية استهدفت مقبرة في بلدة شمسطار، ما أسفر عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة أربعة آخرين. كما قُتلت ثلاث فتيات في بلدة عدلون الساحلية، فيما أودت ضربة أخرى في مدينة صيدا بحياة ثمانية وأصابت اثنين وعشرين.
تحذيرات إيرانية وغموض حول نطاق الهدنة
جاءت الغارات على الرغم من اتفاق هدنة لمدة أسبوعين بين واشنطن وطهران، تضمّن — بحسب الجانب الإيراني — وقف الهجمات على لبنان. إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد أن التفاهم لا يشمل الأراضي اللبنانية.
الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب أيد هذا الموقف قائلاً إن ما يجري في لبنان “اشتباك منفصل” عن اتفاق الهدنة.
من جانبها، هدّدت طهران بالانسحاب من الاتفاق إذا استمرت الاعتداءات على لبنان، فيما نقلت وكالة “فارس” عن مسؤول إيراني قوله إن بلاده قد تعيد النظر في تجميد هجماتها ضد إسرائيل “ردًّا على انتهاك الهدنة المؤقتة”.
نداءات دبلوماسية وتحركات دولية
دعا رئيس الحكومة اللبنانية المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف الهجمات، في حين أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي اتصالًا مع نظيره الباكستاني، الذي لعب دور الوسيط في التوصل إلى وقف إطلاق النار، لبحث “الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان وإيران”.
حثّ رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف جميع الأطراف على “التحلي بأقصى درجات ضبط النفس”، مؤكداً أن احترام الهدنة شرط أساس لنجاح المسار الدبلوماسي.
وفي تطور ميداني آخر، استدعت إسبانيا القائم بالأعمال الإسرائيلي في مدريد احتجاجًا على ما وصفته بـ”الاحتجاز غير المبرر لجندي إسباني” تابع لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). وأوضحت المنظمة الدولية أنّ الجندي احتُجز بعد اعتراض قافلة لوجستية ثم أُفرج عنه خلال أقل من ساعة.
كما أعلنت وزارة الدفاع الإيطالية أن القوات الإسرائيلية أطلقت طلقات تحذيرية باتجاه موكب لجنود إيطاليين تابعين لـ”اليونيفيل”، ما أدى إلى تضرر إحدى الآليات دون وقوع إصابات، بينما طالبت روما بتوضيحات رسمية وأكد وزير خارجيتها أن “الجنود الإيطاليين في لبنان خط أحمر لا يجوز المساس به”.
أثر إنساني يتجاوز السياسة
على الأرض، ما زالت عمليات الإنقاذ جارية في مواقع القصف وسط حالة من الخوف والترقب بين السكان، فيما يواصل اللبنانيون في الجنوب والبقاع النزوح نحو مناطق أكثر أمانًا. أما “حزب الله”، فلم يعلن منذ مطلع فجر الأربعاء أيّ عملية ضد إسرائيل، داعيًا السكان إلى عدم العودة إلى منازلهم قبل تثبيت وقفٍ رسمي لإطلاق النار.
في ظل هذه التطورات المتسارعة، يبدو أن لبنان يجد نفسه من جديد ساحة مفتوحة لصراع إقليمي لا يزال بعيدًا عن نهايته، فيما تبقى الكلمة الأخيرة لجهود الإغاثة والوساطات الدبلوماسية التي تحاول تجنيب البلاد مزيدًا من الدمار والمعاناة.
اقرأ المزيد
جنوب لبنان ساحة استنزاف مفتوحة.. هل تتحول المواجهة إلى حرب طويلة؟
إسرائيل تخطط لفرض “سيطرة” على جنوب لبنان.. وسموتريتش يدعو لزحف الحدود إلى نهر الليطاني
تحت نيران القصف.. عشرات الآلاف يفرون من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية تواجه خطر “المحو”












