وطن-في مشهد دولي سريع التحوّل، تتكثّف الإشارات القادمة من أكثر من عاصمة، لتشكّل ما يشبه رسالة واحدة: العالم لم يعد كما كان. من طهران إلى بودابست وصولًا إلى الفاتيكان، تتوالى المواقف التي تعكس تحوّلًا في موازين التفاعل مع السياسات الأمريكية، خاصة في ظل عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار.
في واشنطن، تبدو المقاربة قائمة على منطق الضغط والصفقات، حيث تُدار الملفات الدولية بعقلية التفاوض الصارم. غير أن هذا الأسلوب، الذي نجح أحيانًا في فرض شروطه، يواجه اليوم بيئة دولية أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للامتثال.
أما في إيران، لم تُفضِ الضغوط إلى تليين المواقف، بل على العكس، دفعت نحو مزيد من التصعيد السياسي والعسكري. أما في أوروبا، فقد شكّل تراجع حلفاء تقليديين لواشنطن، مثل فيكتور أوربان، مؤشرًا على تغيّر المزاج السياسي داخل القارة، حيث لم تعد التحالفات ثابتة كما كانت.
وفي الفاتيكان، برز موقف أخلاقي وسياسي مختلف، مع تصاعد خطاب ينتقد السياسات الدولية من زاوية إنسانية، في تحدٍ واضح للضغوط أو السخرية السياسية، وهو ما يعكس دورًا متناميًا للمؤسسات الدينية في النقاش العالمي.
في الحقيقة، هذه التطورات لا يمكن قراءتها كأحداث منفصلة، بل كجزء من سياق أوسع يعكس تحوّلًا في بنية النظام الدولي. فمحاولات فرض الإرادة عبر التهديدات الاقتصادية أو العسكرية لم تعد تمر دون ردود فعل، بل كثيرًا ما تقابل بتحالفات مضادة أو استراتيجيات مقاومة.
اللافت أن التحدي لا يتمثل في غياب القوة، بل في حدود استخدامها. فالقوة، حين لا تُرفق بقدرة على الاستماع والتكيّف، قد تتحول إلى عبء، وتُنتج نتائج عكسية. وهذا ما يظهر في تعدد الأزمات التي تتفرع من سياسات الضغط، بدل أن تُحلّ بها.
اليوم، يبدو أن العالم يتجه نحو إعادة ترتيب توازناته، حيث تسعى الدول إلى تنويع خياراتها، وتقليل اعتمادها على محور واحد. وفي هذا السياق، لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على فرض قواعد اللعبة، بل أصبحت طرفًا ضمن شبكة معقدة من القوى والمصالح.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بـ”صفعات” بقدر ما يتعلق بتحوّل أعمق: انتقال من عالم أحادي النفوذ إلى مشهد أكثر تعددية، حيث تُقاس القوة ليس فقط بما تفرضه، بل بما تستطيع التفاهم حوله.
اقرأ المزيد
“أسرار غرفة المفاوضات”: لماذا وصف ترامب شروط طهران بـ “الواقعية”؟ وما الذي تعهد به لنتنياهو سراً؟
“فتيل ترامب”: لماذا وصفته “نيويورك تايمز” بصبي يلعب بالكبريت في غرفة غاز..












