وطن-كشف تقرير نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن عدداً من المنظمات المرتبطة بإسرائيل تنشط داخل المغرب تحت غطاء الحفاظ على التراث اليهودي، في محاولة لتوجيه الرأي العام للشباب المغربي نحو مواقف أكثر تقبلاً للتطبيع، وتقليص التأييد التقليدي للقضية الفلسطينية داخل المجتمع المغربي.
مشاريع التراث.. بين الهوية والثقافة والسياسة
قال موقع “ميدل إيست آي” إن المغرب، الذي يحتضن أكبر جالية يهودية في شمال إفريقيا تُقدر بنحو 2,500 شخص، تمكن من ترسيخ مكونه العبري في دستور 2011 لحماية وحفظ التراث اليهودي كجزء من الهوية الوطنية. وتعمل مبادرات عديدة على ترميم المواقع التاريخية وتنظيم ورش للحوار بين الأديان، لكن خلف هذه البرامج الثقافية، كشفت الصحيفة عن أنشطة لمنظمات أجنبية ذات أجندة سياسية تسعى إلى تعزيز الرواية الصهيونية داخل الأوساط الشبابية.
وفق التقرير، تنظم هذه المنظمات رحلات إلى إسرائيل ومواقع المحارق في أوروبا لشباب مغاربة، وتحرص على تصويرهم وهم يحملون الأعلام المغربية والإسرائيلية معاً، في محاولة رمزية لدمج الهويتين وتغيير مواقف الجيل الجديد من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
“هفوة في الحكم”.. شهادة من الداخل
روت الشابة المغربية “ياسمين” – وهو اسم مستعار – تجربتها لـ “ميدل إيست آي”، كاشفة أنها شاركت قبل أعوام في أحد برامج الحوار بين الأديان قبل أن تكتشف طبيعته السياسية. قالت إن الكثير من هذه المشاريع “تعمل في منطقة رمادية بين الديني والسياسي”، حيث تُعرض الأنشطة كبرامج ثقافية لكنها “تُمرر رسائل تطبيعية بطرق ناعمة”.
وأضافت أنها أدركت حجم التلاعب بعد بث مقابلة لها على قناة إسرائيلية صُورت دون علمها الكامل بالسياق، حيث جرى توظيف تصريحاتها ضمن “سردية صهيونية أوسع”.
من “الياحين” إلى “شراكة”.. تغيير في الأسلوب لا في الهدف
أوضح التقرير أن الأسلوب المستخدم اليوم يعيد إنتاج تجربة “عملية الياحين” في ستينيات القرن الماضي، التي نقلت نحو 90 ألف يهودي مغربي إلى إسرائيل ضمن خطة الوكالة اليهودية، مع اختلاف الأدوات نحو نهج “عضوي وأكثر نعومة”.
وأشار التقرير إلى أن المنظمتين الإسرائيليتين “شراكة” (Sharaka) و”وي آر مينا” (We Are Mena) من أبرز الجهات النشطة في المغرب بعد اتفاقات أبراهام عام 2020.
تعمل “شراكة” على تعزيز ما تسميه “السلام الدافئ بين الشعوب”، وتُنظم زيارات لإسرائيل والمحرقة الأوروبية، في حين أطلقت “وي آر مينا” عام 2025 برنامجاً لتدريب 25 مربياً مغربياً على تدريس موضوعات تتعلق بالمحرقة.
تمويل أمريكي وإسرائيلي ومؤسسات “واجهات”
كشف “ميدل إيست آي” أن منظمات أمريكية مثل “الجمعية الأمريكية للأبحاث الخارجية” (ASOR) تنسق مشاريع تراث يهودي في المغرب بتمويل من جهات أميركية، لكنها في الواقع تمتلك ارتباطات بمنصات إسرائيلية تمول الجيش الإسرائيلي.
ومن بين تلك المنصات “JGive” التي دعمت الجيش الإسرائيلي أثناء العدوان على غزة عامي 2023 و2024، بتبرعات تجاوزت 29 مليون شيكل، وفق التقرير.
كما تُعد منظمة “درور” الإسرائيلية من أبرز الجهات المشاركة في هذه الأنشطة، إذ تؤكد علنًا دعمها لجيش الاحتلال وتعمل بشراكة مع وزارة الدفاع الإسرائيلية.
الجمعيات المغربية في الواجهة
رصدت الصحيفة وجود تعاون بين هذه الجمعيات الإسرائيلية وعدد من المنظمات المغربية النشطة في المجال الثقافي والإنساني، مثل “جمعية ميمونة” التي تُعرف بالترويج للحوار الإسلامي اليهودي، و”مؤسسة الأطلس الكبير” (HAF) المعنية بمشاريع التنمية الزراعية وتمكين المرأة، حيث تتلقى تمويلاً من ASOR لترميم مواقع يهودية.
ونقلت الصحيفة عن مصدر داخل إحدى الجمعيات اليهودية المغربية قوله إن الدعم الحكومي المباشر “نادراً ما يُمنح”، مضيفاً أن التمويل الرئيسي يأتي في الغالب من الولايات المتحدة أو إسرائيل.
استهداف الشباب المغربي
يرى التقرير أن التركيز المحوري لهذه المنظمات هو فئة الشباب، إذ تعتبرهم “العنصر الحاسم في ضمان استمرارية الرسالة”، ويحرص القائمون على اختيار مشاركين مؤثرين على شبكات التواصل الاجتماعي ويتمتعون بمكانة في مجالات ريادة الأعمال أو النشاط المدني.
وأشار أحد مسؤولي ASOR إلى أن التعاون مع جامعات مغربية مثل “ابن زهر” في أكادير يساعد في “التواصل مع طلبة مهتمين بالحوار الثقافي”، بينما ترى ياسمين أن المنظمات “تعلمت أن النجاح في المغرب يتطلب غطاءً ثقافياً وشراكات محلية تضفي شرعية اجتماعية”.
يخلص تقرير “ميدل إيست آي” إلى أن عمليات “تطبيع ناعمة” تتغلغل داخل مشاريع يُفترض أنها تراثية وثقافية في المغرب، لكنها تخدم أهدافاً سياسية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل وعي الجيل المغربي الجديد بشأن إسرائيل وفلسطين، مستخدمة أدوات ثقافية وشراكات محلية لاختراق المجال العام بصورة تدريجية.
اقرأ المزيد
المغرب يشتري قمراً صناعياً من إسرائيل وسط تصاعد الغضب الشعبي
المغرب يبدأ إنتاج طائرات مسيّرة إسرائيلية في خطوة نحو شراكة عسكرية جديدة
عقود من التعاون السري بين المغرب وإسرائيل تكشفها “تايمز أوف إسرائيل












