وطن-تجد إسبانيا نفسها أمام اختبار سياسي وحقوقي حساس بعد إطلاق «لجنة الحقيقة» الخاصة بملف الذاكرة الديمقراطية، وسط تصاعد مطالب بإدراج الجرائم والانتهاكات التي تعرض لها الصحراويون خلال الحقبة الاستعمارية الإسبانية وما تلاها ضمن نطاق التحقيقات الرسمية.
وبينما تهدف اللجنة الجديدة إلى التحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان المرتبطة بالحرب الأهلية الإسبانية ومرحلة الديكتاتورية، يضغط حقوقيون وجمعيات تضامن مع الصحراء الغربية لتوسيع مفهوم «الذاكرة الديمقراطية» بحيث يشمل أيضاً ضحايا الاستعمار الإسباني في الإقليم.
مطالب بإنصاف الضحايا الصحراويين
بحسب ما أوردته صحيفة “إل إندبيندينتي” الإسبانية، تقدمت أكثر من مئة جمعية ونقابة وحزب سياسي بطلب رسمي إلى وزارة الذاكرة الديمقراطية الإسبانية من أجل إدراج الانتهاكات المرتكبة بحق الصحراويين ضمن أعمال لجنة الحقيقة.
وتقود هذه المبادرة “التنسيقية الوطنية لجمعيات التضامن مع الصحراء” إلى جانب «جمعية عائلات الأسرى والمختفين الصحراويين»، اللتين تؤكدان أن آلاف الصحراويين تعرضوا للاعتقال والإخفاء القسري والتعذيب خلال سنوات الاستعمار الإسباني وما تلا الانسحاب الإسباني من الصحراء الغربية.
وترى هذه المنظمات أن استبعاد الضحايا الصحراويين من مسار العدالة التاريخية في إسبانيا يمثل استمراراً لسياسة التهميش التي رافقت ملف الصحراء الغربية لعقود طويلة.
لجنة الحقيقة.. خطوة جديدة في ملف الذاكرة
كانت الحكومة الإسبانية قد أعلنت في مارس الماضي تشكيل لجنة الحقيقة للتحقيق في الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال الحرب الأهلية ومرحلة حكم الجنرال فرانكو.
ويرأس اللجنة القاضي الإسباني السابق بالتاسار غارثون، المعروف بدوره في قضايا حقوق الإنسان والجرائم الدولية، إلى جانب عدد من الأكاديميين والخبراء القانونيين والحقوقيين.
وستعمل اللجنة على إعداد تقرير شامل يتضمن توصيات تتعلق بالحقيقة والعدالة وجبر الضرر ومنع تكرار الانتهاكات، وهو ما تعتبره الجمعيات الصحراوية فرصة تاريخية لإدراج ضحايا الصحراء الغربية ضمن هذا المسار.
الصحراء الغربية.. ملف خارج الذاكرة الإسبانية
وعلى الرغم من أن “قانون الذاكرة الديمقراطية» الإسباني لا يعترف رسمياً بالصحراويين كضحايا للديكتاتورية، فإن المنظمات الحقوقية تؤكد أن الجرائم التي ارتُكبت في الصحراء الغربية مرتبطة مباشرة بالنظام الاستعماري الإسباني وسياسات القمع التي مورست ضد المطالبين بتقرير المصير والاستقلال.
ويستند هذا الطرح إلى تقارير توثق اختفاء مئات الصحراويين، إضافة إلى حملات اعتقال وقمع استهدفت النشطاء والقوميين الصحراويين منذ سبعينيات القرن الماضي.
كما يسلط التقرير الذي قُدم إلى اللجنة الضوء على الهجمات التي تعرض لها مدنيون صحراويون خلال مرحلة الانسحاب الإسباني من الإقليم، بما في ذلك قصف مخيمات للاجئين بالنابالم والفوسفور الأبيض، وهي وقائع ما تزال تثير جدلاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية.
محمد بصيري.. جرح لم يُغلق
من أبرز الملفات التي تطالب الجمعيات الصحراوية بإعادة فتحها قضية محمد بصيري، أحد رموز الحركة الوطنية الصحراوية، الذي اعتقلته السلطات الإسبانية عام 1970 بعد احتجاجات الزملة الشهيرة، قبل أن يختفي بشكل كامل منذ ذلك الوقت.
وتعتبر قضية بصيري مثالاً واضحاً على القمع الذي مارسته السلطات الاستعمارية الإسبانية ضد الأصوات المطالبة بالاستقلال، وسط اتهامات لإسبانيا بعدم الكشف عن الحقيقة الكاملة بشأن مصيره حتى اليوم.
بين الاستعمار والعدالة التاريخية
ترى الجمعيات الحقوقية أن الجرائم المرتكبة في الصحراء الغربية لا يمكن فصلها عن البعد الاستعماري للوجود الإسباني في الإقليم، معتبرة أن العنف الذي تعرض له الصحراويون كان جزءاً من سياسة استعمارية هدفت إلى قمع الهوية الوطنية الصحراوية ومنع مطالب تقرير المصير.
ويضع هذا الواقع لجنة الحقيقة الإسبانية أمام سؤال بالغ الحساسية: هل ستقتصر الذاكرة الديمقراطية على الضحايا داخل الأراضي الإسبانية فقط، أم ستشمل أيضاً ضحايا الاستعمار الإسباني في الصحراء الغربية؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ما إذا كانت إسبانيا مستعدة فعلاً لمواجهة كامل تاريخها، أم أنها ستواصل إبقاء أحد أكثر ملفاتها الاستعمارية تعقيداً خارج دائرة العدالة والاعتراف الرسمي.
اقرأ أيضاً
تحرك أمريكي جديد: واشنطن تضع “خارطة طريق” للصلح بين المغرب والجزائر بشأن ملف الصحراء الغربية
انقلاب الموازين في المتوسط: لماذا أصبح المغرب “الطرف الموثوق” لواشنطن بدلاً من إسبانيا؟

