وطن-كيف تحولت الإمارات من شريك اقتصادي صاعد في إفريقيا إلى لاعب متهم بتغذية الحروب والنزاعات؟ سؤال بات يفرض نفسه بقوة بعد تقرير أوروبي جديد كشف شبكة نفوذ معقدة تمتد من السودان وليبيا إلى القرن الإفريقي، وتقوم – بحسب التقرير – على الدعم العسكري والتمويل السياسي واستخدام الميليشيات والاقتصاد الموازي لتعزيز النفوذ الإقليمي.
فقد أصدر المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، المعروف بقربه من دوائر صنع القرار في برلين، دراسة مطولة رسمت صورة قاتمة للدور الإماراتي داخل القارة السمراء، معتبرة أن أبوظبي أصبحت أحد أبرز الفاعلين الذين ساهموا في إطالة أمد الصراعات الإفريقية وتعقيد فرص التسوية السياسية في عدة دول.
وبحسب التقرير، لم يعد النفوذ الإماراتي يقتصر على الاستثمارات الاقتصادية أو إدارة الموانئ والمشاريع التجارية، بل تطور إلى نموذج تدخل يعتمد على دعم جماعات مسلحة وشبكات لوجستية عابرة للحدود، بما يخدم مصالح استراتيجية مرتبطة بالموارد والنفوذ الجيوسياسي.
السودان.. الحرب التي لا تنتهي
في السودان، يضع التقرير الإمارات في قلب الاتهامات المتعلقة باستمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. ويرى الباحثون الألمان أن الدعم السياسي والعسكري الذي تلقته قوات الدعم السريع ساهم في إطالة أمد النزاع، وسط تحذيرات دولية متزايدة من انهيار إنساني غير مسبوق.
ويشير التقرير إلى أن شبكات الإمداد والتمويل المرتبطة بالإمارات لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على قدرات قوات الدعم السريع، رغم الضغوط الدولية واتهامات انتهاكات حقوق الإنسان التي طالت أطراف النزاع.
كما يلفت إلى أن الحرب السودانية تحولت إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوحة، حيث لم تعد المواجهة مجرد نزاع داخلي، بل جزءاً من معركة نفوذ أوسع داخل إفريقيا.
ليبيا.. حفتر وفاغنر
أما في ليبيا، فيؤكد التقرير أن الدعم الإماراتي المستمر لخليفة حفتر، بالتنسيق مع مجموعة فاغنر الروسية، ساهم في تعطيل جهود التسوية السياسية وتعميق الانقسام بين شرق البلاد وغربها.
ويرى المعهد الألماني أن أبوظبي اعتمدت في ليبيا على استراتيجية مزدوجة تجمع بين الدعم العسكري المباشر وبناء شبكات نفوذ اقتصادية وأمنية، ما جعلها لاعباً رئيسياً في معادلة الصراع الليبي.
ويضيف التقرير أن استمرار تدفق الدعم الخارجي إلى الأطراف المسلحة جعل فرص الحل السياسي أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تداخل المصالح الدولية والإقليمية داخل الساحة الليبية.
إثيوبيا والقرن الإفريقي
وفي إثيوبيا، يكشف التقرير أن الطائرات المسيّرة الإماراتية كان لها تأثير مباشر خلال حرب تيغراي، حيث استخدمت في دعم العمليات العسكرية التي شهدتها البلاد خلال ذروة النزاع.
أما في الصومال، فتحدث التقرير عن استخدام موانئ وقواعد داخل مناطق انفصالية كمنصات نفوذ وتحرك عسكري ولوجستي، بما يعزز الحضور الإماراتي في القرن الإفريقي، إحدى أكثر المناطق حساسية استراتيجياً بسبب موقعها القريب من البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ويعتبر الباحثون الألمان أن التحركات الإماراتية في هذه المنطقة لا تنفصل عن مساعي السيطرة على طرق التجارة والطاقة، إضافة إلى توسيع النفوذ البحري والعسكري في شرق إفريقيا.
الذهب والسلاح والاقتصاد الموازي
لكن أخطر ما كشفه التقرير، بحسب مراقبين، هو حديثه عن شبكة نفوذ ممتدة من شرق ليبيا وتشاد وصولاً إلى القرن الإفريقي، تستخدم لنقل السلاح والمقاتلين وتأمين طرق التجارة غير الرسمية.
ويرى التقرير أن هذه الشبكات ترتبط أيضاً بالسيطرة على موارد استراتيجية، وفي مقدمتها الذهب، الذي أصبح عنصراً رئيسياً في معادلات النفوذ داخل إفريقيا.
ويؤكد الباحثون أن ما يحدث يتجاوز مجرد تنافس إقليمي تقليدي، بل يمثل مشروع نفوذ متكاملاً يعتمد على الميليشيات والاقتصاد الموازي وإضعاف مؤسسات الدول المركزية، بما يسمح بإعادة تشكيل موازين القوى داخل القارة لصالح أبوظبي.
تحذير أوروبي مباشر
وفي واحدة من أكثر النقاط حساسية، وجّه المعهد الألماني تحذيراً واضحاً إلى أوروبا، داعياً الحكومات الأوروبية إلى إعادة تقييم شراكاتها مع الإمارات ووقف ما وصفه بـ«التساهل» مع سياساتها الإقليمية.
وأشار التقرير إلى أن الاتهامات المتعلقة بخرق قرارات حظر السلاح الدولية، ودعم أطراف مسلحة في مناطق النزاع، باتت تفرض على أوروبا مراجعة أعمق لعلاقاتها مع أبوظبي، خاصة في ظل تصاعد المخاوف من تحوّل بعض مناطق إفريقيا إلى ساحات نفوذ خارجة عن سيطرة الدول المركزية.
ويرى التقرير أن استمرار هذا النمط من التدخلات قد يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في القارة، ويزيد من تعقيد الأزمات الإنسانية والأمنية التي تعاني منها دول عديدة.
وفي ظل هذه المعطيات، يفتح التقرير الأوروبي الباب أمام تساؤلات كبيرة حول مستقبل الدور الإماراتي في إفريقيا، وما إذا كانت أبوظبي ستواصل توسيع نفوذها عبر الأدوات العسكرية والشبكات غير الرسمية، أم أن الضغوط الدولية المتزايدة قد تدفع نحو إعادة صياغة هذا الدور خلال السنوات المقبلة.
اقرأ المزيد
تناقضات أبوظبي الإقليمية: كيف يفضح سجل اليمن والسودان وغزة خطاب الإمارات حول القانون الدولي؟
تقرير: الإمارات سعت لرد عسكري خليجي موحد بعد الضربات الإيرانية.. والسعودية وقطر ترفضان التصعيد
خلف كواليس جولة أبوظبي: هل انزلقت مصر إلى “الفخ الاستراتيجي” بعد ظهور طائراتها في الإمارات؟
كواليس الدعم الخفي.. كيف وصلت قوافل سيارات الدفع الرباعي الإماراتية إلى حدود بني شنقول؟

