وطن-في الظلّ، بعيدًا عن خطوط النار وصخب المعارك، تتحرك شبكات المال التي تُغذّي الحروب وتُعيد تشكيل موازين القوى. وفي قلب هذا المشهد الليبي المعقّد، برز اسم رجل الأعمال الليبي أحمد جاد الله، بوصفه أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في ملف التمويلات المرتبطة بشرق ليبيا وعائلة المشير خليفة حفتر.
فبين دبي وبنغازي ولندن ومالطا، تكشف تقارير دولية وتحقيقات حديثة عن شبكة مالية واسعة يُقال إنها لعبت دورًا محوريًا في إدارة تدفقات الأموال والاستثمارات والعلاقات التجارية المرتبطة بمعسكر حفتر خلال سنوات الصراع الليبي.
وبحسب تحقيقات نشرتها منظمة «ذا سنتري» وتقارير أممية صادرة عن لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، يُقدَّم أحمد جاد الله كرجل يتمتع بنفوذ اقتصادي هائل ونمط حياة فائق الثراء، يشمل رحلات بطائرات خاصة، وساعات فاخرة تُقدّر بمئات آلاف الدولارات، وإقامة في أفخم فنادق لندن، إلى جانب شبكة ممتلكات وعقارات موزعة بين الإمارات وكندا وعدة مراكز مالية دولية.
وتشير التقارير إلى أن جاد الله، البالغ من العمر 46 عامًا والمقيم في دبي، يمتلك ما لا يقل عن ثمانية عقارات داخل الإمارات، إضافة إلى شقة فاخرة في مدينة تورونتو الكندية تُقدَّر قيمتها بنحو 3.7 مليون دولار، فضلًا عن مساهمات وتبرعات لمؤسسات صحية خاصة مرموقة.
لكن الصورة، وفق هذه التحقيقات، لا تتوقف عند حدود الثراء الشخصي، بل تمتد إلى ما تصفه التقارير بشبكة مالية معقدة وعابرة للحدود، تضم شركات وبنوكًا ومؤسسات استثمارية تعمل بين ليبيا والإمارات ومالطا وبريطانيا.
رجل حفتر المالي؟
تربط تقارير دولية بين أحمد جاد الله وبين الدائرة الاقتصادية المقربة من خليفة حفتر ونجله صدام حفتر، حيث يُشتبه في أنه لعب دورًا محوريًا في إدارة ملفات مالية مرتبطة بقوات شرق ليبيا خلال سنوات التصعيد العسكري، خاصة خلال هجوم طرابلس بين عامي 2019 و2020.
وتقول التحقيقات إن هذه الشبكات ارتبطت بقضايا تتعلق بتجارة الوقود والسلاح وتحويل الأموال عبر شركات شحن وخطابات اعتماد مصرفية، ضمن ما تصفه التقارير بـ«اقتصاد الحرب الليبي»، الذي تشابكت فيه المصالح التجارية مع العمليات العسكرية والميليشيات المسلحة.
وبحسب المعلومات المنشورة، فإن بعض الشركات المرتبطة بهذه الشبكات استخدمت في تحريك شحنات وأموال بين موانئ ليبية ودولية، في ظل بيئة مالية مضطربة سمحت بتداخل النشاط الاقتصادي المشروع مع شبكات النفوذ السياسي والعسكري.
من دبي إلى مالطا ولندن
التقارير الصادرة عن «ذا سنتري» تتحدث عن شبكة استثمارات تمتد من دبي إلى مالطا ولندن، وتضم كيانات مالية وتجارية مرتبطة برجال أعمال وشركات تعمل في قطاعات متعددة، من الخدمات المصرفية إلى الشحن والطاقة والعقارات.
ويرى مراقبون أن هذه الشبكات تعكس الطريقة التي تحولت بها ليبيا، خلال سنوات الانقسام والحرب، إلى ساحة معقدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية بالنفوذ العسكري، بحيث لم يعد المال مجرد أداة دعم، بل أصبح جزءًا أساسيًا من بنية الصراع نفسه.
ويشير التحقيق إلى أن بعض العمليات المالية المرتبطة بهذه الشبكات اتسمت بدرجة عالية من التعقيد، بما في ذلك استخدام واجهات استثمارية وشركات متعددة الجنسيات لتحريك الأموال وتأمين العمليات التجارية.
نفي قاطع من أحمد جاد الله
في المقابل، نفى أحمد جاد الله بشكل قاطع جميع الاتهامات الواردة في تقارير «ذا سنتري» ولجنة خبراء الأمم المتحدة، مؤكدًا أن أنشطته التجارية قانونية وشفافة بالكامل.
وقال جاد الله في تصريحات نقلها موقع «ميدل إيست آي»:
«أرفض وأنفي جملة وتفصيلًا الاتهامات الموجّهة ضدي من قبل منظمة ذا سنتري. ويعمل المحامون الخاصون بي على الطعن في تلك الادعاءات، كما أفنّد المزاعم التي وردت بحقي في تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة فيما يتعلق بشخصي… لقد أدرت أعمالي بشكل قانوني وشفاف، وسأواصل القيام بذلك».
ويؤكد جاد الله أن جميع أنشطته تندرج ضمن إطار الأعمال التجارية والاستثمارية المشروعة، نافياً أي علاقة له بتمويل أو دعم أي جهة مسلحة داخل ليبيا.
الوجه غير المرئي للحرب الليبية
تكشف قضية أحمد جاد الله جانبًا أقل ظهورًا من الحرب الليبية، حيث لم تعد المواجهة تُقاس فقط بعدد المقاتلين أو حجم الأسلحة، بل بحجم الشبكات المالية التي تتحرك خلف الكواليس.
فالحروب الحديثة، كما يرى خبراء، لا تُدار بالسلاح وحده، بل تحتاج إلى بنوك وشركات وتحويلات مالية وخطوط إمداد لوجستية عابرة للحدود. وفي الحالة الليبية، أدى انهيار مؤسسات الدولة والانقسام السياسي إلى ظهور اقتصاد موازٍ واسع، أصبح جزءًا لا يتجزأ من معادلة الصراع.
وفي ظل استمرار الانقسام الليبي وتعقّد المشهد الإقليمي، يبقى اسم أحمد جاد الله واحدًا من أكثر الأسماء المرتبطة بما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب» في ليبيا، حيث تتحرك الأموال في الظل، وتتشابك التجارة بالنفوذ والسلاح، في واحدة من أكثر الحروب غموضًا في المنطقة.
اقرأ المزيد
رجل حفتر الغامض.. كيف بنى أحمد قدّالة إمبراطورية المال والسلاح بين دبي وشرق ليبيا؟

